الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارحين تصبح الخرطوم ساحة للفوضى والرهان على قبضة العدالة!

حين تصبح الخرطوم ساحة للفوضى والرهان على قبضة العدالة!

خاص سودان تمورو

في مدينة أرهقتها الحرب حتى صارت مسرحاً للفوضى، يطل خبر ضبط لجنة أمن ولاية الخرطوم لكميات ضخمة من المنهوبات والمخدرات والعصابات المسلحة كبصيص نور في عتمة دامسة. لكنه ليس مجرد خبر عابر، بل هو شهادة على أن معركة استعادة الدولة من براثن الفوضى قد بدأت فعلاً، وأن الأمن – ذاك الشريان الخفي الذي يمنح الحياة معناها – لم يمت بعد.

الأرقام المعلنة ليست عادية ولا يمكن المرور عليها مرور الكرام: ألواح فايبر مسروقة تقدر قيمتها بـ54 مليار جنيه، في عملية نهب تعكس حجم الانفلات وجرأة العصابات التي تعاملت مع مقدرات الوطن وكأنها غنيمة سائبة. ضبط 8600 رأس من الحشيش وكميات من الحبوب المخدرة، وهي سموم لا تستهدف الجسد فقط بل تعلن حرباً خفية على عقول الشباب وطاقاتهم. إلقاء القبض على تشكيلات متخصصة في النهب المسلح، عصابات امتهنت ترويع الناس ومصادرة أبسط حقوقهم في الأمان. وحتى الدراجات النارية الـ371 المخالفة لأمر الطوارئ، فإنها ليست مجرد وسائل نقل، بل أدوات جريمة وسرعة هروب في شوارع تحولت إلى ساحات رعب.

هذه الضربات الأمنية هي أكثر من مجرد مداهمات، إنها مواجهة بين منطق الدولة ومنطق الفوضى، بين من يحاولون إنقاذ الوطن من الانهيار ومن يعتاشون على ركامه. فالأمن ليس تفصيلاً ثانوياً ولا مطلباً كمالياً، بل هو أساس كل شيء: إذا استقر، عادت الأسواق إلى الحركة، والمدارس إلى التدريس، والمستشفيات إلى عملها، والناس إلى حياتهم الطبيعية. وإذا غاب، عمّ الخراب، وتحولت الخرطوم إلى مدينة رهينة في يد الجريمة.

ما يلفت الانتباه أن هذا الإنجاز الأمني جاء في لحظة يظن فيها كثيرون أن الدولة قد انهارت تماماً، وأن العاصمة لم تعد سوى غابة بلا قانون. لكنه يثبت أن هناك إرادة – وإن بدت ضعيفة – لمواجهة المجرمين وإعادة فرض هيبة القانون. وهو في الوقت ذاته تذكير مرير بأن أكبر ما أضر بحكومات ما بعد ثورة ديسمبر 2018 لم يكن فقط العجز الاقتصادي أو السياسي، بل الفشل في فرض الأمن. لقد تركت العصابات تجوب الشوارع، من “9 طويلة” إلى “باكوبي”، حتى صار المواطن يرى القانون عاجزاً والجريمة سيد الموقف.

إن الأمن هو معيار وجود الدولة. فإذا استطاعت الأجهزة الأمنية أن تواصل ضرباتها بثبات، وتطهر العاصمة من المخدرات والعصابات والنهب، فإنها ستعيد شيئاً من الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة. أما إذا تراخت أو توقفت عند حدود هذه الحملات، فإن الخرطوم ستعود لتغرق مجدداً في بحر الفوضى.

اليوم، يقف السودانيون أمام معركة فاصلة: إما أن تنتصر الدولة ويُستعاد الأمن كشرط أساسي لأي حياة، أو أن تترك الساحة للعصابات لتكتب قانونها بالرصاص. والفرق بين الخيارين هو الفرق بين الخراب والنهضة، بين أمة تُبنى وأمة تُنهب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات