خاص سودان تمورو
حين يرفع الجيش شعار “حرب الكرامة” ويهتف الدعم السريع بـ”هدم دولة 56″، يخيَّل للسامع أن ثمة معركة قيمية تدور رحاها على أرض السودان، بينما الواقع أن الخطابين ليسا سوى أقنعة زائفة تخفي وراءها صراعًا سافرًا على السلطة والموارد. ما قاله ياسر عرمان في مؤتمر السلام العالمي بفنلندا لم يخطئ في جوهره حين أشار إلى أن مشروعي الطرفين يقودان إلى الاستبداد، لكن خطأه أنه حصر المرض في الجيش والدعم السريع وحدهما، بينما العلة أعمق وأوسع: إنها علة النخبة السياسية والعسكرية مجتمعة، بما فيها تياراته وتحالفاته.
لقد أثبتت التجربة أن كل القوى الفاعلة في المشهد، بلا استثناء، أسيرة نفس الدائرة الجهنمية: الجشع إلى السلطة، التهافت على الثروة، وتقديم مصالحها الخاصة على أي مشروع وطني جامع. لا فرق في النتيجة بين من يلبس البزة العسكرية، أو من يتدثر برداء الثورة، أو من يتزيّا بشعارات التحرر والديمقراطية. الجميع يشتركون في النتيجة: إعادة إنتاج الطغيان بوجوه وشعارات مختلفة.
ثورة ديسمبر كانت حدثًا استثنائيًا، لحظةً نقية في تاريخ هذا البلد، جمعت السودانيين حول حلم مشترك بالعدالة والحرية والكرامة. لكنها أُجهضت على أيدي ورثتها، ممن اختطفوها وحوّلوها إلى سلّم للهيمنة لا منصة للتغيير. جاء من بعد البشير من يشبهونه في الممارسة وإن اختلفوا في الخطاب، فاستُبدل “التمكين” القديم بتمكين جديد، وعاد الفساد في ثياب “ثورية”، وتحوّل الحلم إلى سراب.
إن مأساة السودان اليوم ليست في شعارات الجيش ولا في خطابات الميليشيا وحدهما، بل في هذا التواطؤ الجمعي للنخب التي ترفع رايات متناقضة وتلتقي في الغاية ذاتها: تكريس حكم ضيق لا يعترف بالمواطنة المتساوية ولا بالعدالة الاجتماعية.
الخلاص لن يأتي من نقد جزئي أو إدانة انتقائية، بل من مساءلة شاملة للجميع: العسكر، الميليشيات، الأحزاب، التحالفات، وكل من خانوا روح ديسمبر. لا معنى لأي سلام أو تسوية إذا لم تُبنَ على اعتراف بالخطايا الجماعية وعلى مشروع وطني جديد يعيد الاعتبار لجوهر الثورة: وحدة الشعب، سيادة القانون، ودولة المواطنة.
السودان اليوم يقف على مفترق طرق. إما أن يظل رهينة خطابات متناقضة ومشاريع مكررة تنتهي بالبلاد إلى مزيد من الدماء والانهيار، أو أن يبعث من تحت الركام ويفتح صفحة جديدة، يكتبها الشعب وحده بعيدًا عن أوهام النخب وعبث المتسلطين.
