سودان تمورو:
هل يأتي وقتٌ يحملُ فيه أهلُ الفكر مِشعلَ السُلطة، بعد أنْ ظلوا على الدوام يحملون مِشعل الحرية والوعي والمعرفة؟. هل بمَقدور الأدباء أن يحققوا للبشرية ما عجزَ عنه أهلًُ السياسة من تطلّع مشروع إلى عوالم يبتعدُ عنها القهرُ ويسودُ فيها الحوار؟ . هل يملكُ أهلُ السياسَة مساحةً من الحلم والرُّؤية الرَّحبة والشاملة مثل الأدباء؟. أسئلة كثيرة ما زالت مُعلقة، لكنَّ اليقينَ بأنَّ هذا العالمَ لن يُصلحه إلا الذين يملكون الرُّؤية، وهم -وحدهم- القادرون على أن يرسُموا لنا مساراتٍ جديدة، وأن يدافعوا عن القِيم النبيلة في الحقّ والحُرية والمساواة. ولأن الأدباءَ والمفكرين والشعراءَ هم ضميرُ أي أمَّة من الأمم، فإنهم مطالبون وعلى الدوام أن يبقَوا مشاعل مُتوهِّجة بالوعد، وأن يمزجوا بين الواقع والمُستحيل ليُحققوا الحدود الدُّنيا من التطلُّع المشروع، في حياة لا يصادرُها تجارُ الموت، وتلاحقها مناهج التركيع والإذلال.
في العالم الثالث عانى الإنسانُ من بطش الأنظمة العسكرية الجائرة، ومن دموية الأنظمة العقائدية التي تعتقدُ امتلاكَها الحق الإلهي في أن تحكم بسلطات مُطلقة، وأنْ تُصادر حق الآخرين في أن يحلُموا بأوطان آمنةٍ، تتسعُ فيها مساحات الخضرة ويجدُ الأطفالُ الرعايةَ والحنان، ويعمل الرجال في الحقول برغبة وعشق وبلا خوف من أحذية الجلادين الغليظة. من يملكُ الحلم في هذا العالم سوى الأدباء والشعراء والمفكرين والمبدعين، في كل نواحي الحياة المُختلفة. هذه الفئات المُلتصقة بالأرض عن اقتناع، والقريبة من نبض الجماهير العريضة المسحوقة، تجدُها في أغلب الأحيان -إنْ لم يكن في أكثرها- مُغيَّبةً عن ساحات المُشاركة، ومُلاحقة بتهم الإبداع والتجديد والدفاع عن الحق. ومطلوبة في قوائم الممنوعين عن المشاركة في بناء الأوطان وفي زراعة الأمل وحصد ثمار الوعي في شوارع المدن المنسية.
إنَّ الأفكارَ الخاطئة هي التي تُدمر الحياةَ عندما يجري الإصرارُ عليها، والتشبث بها والدفاع بالباطل عنها. لا شيءَ يهزمُ الأفكار الخاطئة سوى المسموع، وتلاقح الأفكار وتباين الرؤى، ومن كل ذلك تولد الحقيقة ناصعةً ونقيَّة.
في التاسع و العشرين من ديسمبر عام ١٩٩٠ انتخب نواب البرلمان ومجلس الشعوب التشيكوسلوفاكية في جلسة استثنائية الأديب والكاتب المسرحي فاكلاف هافل رئيسًا جديدًا للجمهورية، خلفًا للرئيس الشيوعي السابق جوستاف هوساك. لأن هافل يُعبر عن الضمير الجماعي للأمة من خلال أعماله الأدبية التي فضحت الزيفَ ودافعت عن الحق والحُرية، ولأنه كان الأقربَ إلى التطلّع الجماعي للأمة لعالمٍ جديدٍ تسقطُ فيه السلطة المُطلقة وتبدأُ معزوفة الحوار الجماعي.
ذهبوا إليه في منزله بعد التصويت الجماعي لنواب الشعب وأحضروه إلى البرلمان ليؤديَ اليمينَ الدستورية. وشبَّه رئيسُ الحكومة الانتقالية ماريان شالفا الأديب والكاتب المسرحي «هافل» بمؤسس الجمهورية التشيكوسلوفاكية «توماس مساريك» وقال أمامَ البَرلمان: «إنَّ هافل أصبح اليومَ السلطة الأدبية العُليا في نظر المواطنين في تشيكوسلوفاكيا» .في السودان عانينا كثيرًا من عدم الاستقرار السياسي وتحولت مملكتُنا الجميلة إلى واقع مُحزن ومُفجع وحزين، ومن فوق صفحات الراية دعوت في الرابع من فبراير (عام ١٩٩٢) لإتاحة الفرصة للمبدعين من أهل السودان لتولي السلطة. كمواطن سوداني لا ينتمي إلى أي حزب سياسي رشحتُ الأستاذ الأديب والمُفكر «الطيِّب صالح» ليكونَ رئيسًا لجمهورية السودان، ليقيني أنه يملك الرؤيةَ والقدرةَ على النفاذ إلى جوهر الأشياء، والحسَّ القادرَ على تفجير الطاقات الإبداعية، لشعب يعشق الحرية ويؤمِن بالحوار، ولكنه رحلَ عن دُنيانا في (١٨ فبراير ٢٠٠٩) حاملًا معه الحلم بوطن آمن يتعايشُ أبناؤه بالحب والإخاء.
إنَّ الميلادَ يبدأ بصرخة … والذين يحملون مشاعل الوعي والحقيقة والوعد عارفون بأحلامنا وقادرون على مشاركتنا هذا الحلم المشروع، في الخروج من زمن الطحالب البشرية، التي تغطي شمسَ الحقيقة وأزهار البحيرة. يقول الطيبُ صالح -طيَّب الله ثراه- من الذي يبني لك المستقبل -يا هداك الله- وأنت تذبحُ الخيل وتُبقي العربات .. وتُميت الأرضَ وتُحيي الآفات .. الأوطانُ لا يبنيها رجلٌ واحدٌ ولا حفنةٌ من الرجال مهما بلغ منهم الإلهام والعبقرية، ولكن يبنيها مئاتُ الآلاف من الرجال والنساء .. ناسٌ أحرارٌ في وطن حُرّ.. كلٌّ يعطي على طريقته وقدْر استطاعته. وهو بعد القائل «مِن أين أتى هؤلاء الناس؟ بل من هم هؤلاء الناس؟» .
