السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان بين طبول الحرب وضجيج الخطاب المتناقض!

السودان بين طبول الحرب وضجيج الخطاب المتناقض!

سودان تمورو:

في السودان، لم تعد الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع مجرّد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى معركة خطابية تكشف حجم التصدّع داخل معسكر السلطة نفسه. فبينما يرفع الفريق عبدالفتاح البرهان راية الثأر ويؤكد أن “لا مجال للتعايش مع المتمردين”، يطل نائبه مالك عقار بخطاب مغاير تمامًا، يبشّر بقرب نهاية الحرب ويدعو إلى مصالحات مجتمعية وإعادة إعمار شاملة. هذا التناقض الصارخ لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابرًا، بل هو انعكاس لأزمة قيادة تُضاعف من كلفة الحرب على وطنٍ يئن تحت ركام الدمار.

خطاب البرهان هو خطاب الحديد والنار؛ لغة مغلقة لا ترى في الأفق سوى استمرار القتال حتى “اقتلاع جذور التمرد”. إنه خطاب يبعث برسالة واضحة للداخل والخارج مفادها أن الجيش لن يتراجع قيد أنملة، لكنه في الوقت ذاته يقطع الطريق أمام أي إمكانية لحوار أو تسوية سياسية. أما خطاب عقار، فهو يحمل نفَسًا مختلفًا: يتحدث عن “ما بعد الكلاشنكوف”، عن إعمار ما بعد الحرب، عن توزيع عادل للخدمات، وعن ضرورة أن يتغير نمط الحكم المركزي الذي أهمل الأقاليم. إنه خطاب يسعى لاستشراف المستقبل، لكنه يصطدم بصلابة الخطاب العسكري الذي يصر على أن الحرب وحدها هي الحل.

فهل نحن أمام توزيع أدوار مقصود، حيث يلعب البرهان دور “الصقر” وعقار دور “الحمامة” لتهيئة المسرح لصفقة سياسية لاحقة؟ أم أن هذه الأصوات المتناقضة تعكس انقسامًا حقيقيًا داخل دوائر القرار العسكري والسياسي في السودان؟ الخبراء ينقسمون بدورهم بين هذين التفسيرين، لكن ما لا خلاف عليه هو أن تعدد الخطابات وتناقضها يشي بانعدام وحدة الرؤية.

الأخطر أن كلا الخطابين يكادان يتجاهلان الكارثة الإنسانية المتفاقمة. برنامج الأغذية العالمي يؤكد أن نصف سكان السودان، أي 25 مليون إنسان، يواجهون جوعًا حادًا، وبعضهم يأكل علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. هذه ليست أرقامًا جامدة، بل هي مأساة بشرية تجسّد كيف يطحن الصراع حاضر السودانيين ومستقبلهم. وسط هذا الخراب، يغدو أي حديث عن نصر عسكري أو مشروع إعمار مجرّد وهم إن لم يسبقه وقف فوري للحرب.

السودان اليوم يقف عند مفترق طرق خطير: إما أن يستمر رهينة تضارب الخطابات وتصلّب المواقف، أو أن يتخذ قادته قرارًا شجاعًا بتوحيد البوصلة نحو السلام. فالحروب الأهلية لم تُحسم يومًا بالبندقية وحدها، بل تنتهي على طاولة المفاوضات. وكل يوم إضافي في عمر هذه الحرب يعني مزيدًا من الدماء والجوع والتشريد.

الشعب السوداني الذي دفع أثمانًا فادحة لا يحتاج إلى خطابات متناقضة تُدار كأوركسترا فوضوية، بل إلى قيادة واحدة تعزف لحنًا واضحًا: لحن السلام، الإنقاذ، وإعادة بناء وطن يستحق الحياة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات