الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الزوارالصمود الذي يُزعج العالم!.. بقلم نزار أحمد

الصمود الذي يُزعج العالم!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

لم تكن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على اليمن مجرد عمل عسكري عابر، بل كانت تستهدف رسالة بعينها: كل من يجرؤ على مناصرة فلسطين سيُعاقب، وكل من يرفع صوته ضد المشروع الصهيوني سيدفع الثمن. لكن الرسالة ارتدت على أصحابها، لأنهم أخطأوا في قراءة طبيعة الشعب اليمني الذي جعل من الصمود عقيدة، ومن التضحية نهجًا، ومن المقاومة خيارًا لا رجعة فيه.

اليمنيون لم يجهلوا عواقب قرارهم بالوقوف إلى جانب غزة، ولم يغفلوا أن تحديهم للمحتل الصهيوني سيجلب عليهم العقوبات والحصار وقصف البنية التحتية والاغتيالات. هم يعرفون قبل غيرهم أن هذا الطريق مفروش بالأشواك، وأن الضريبة باهظة. ومع ذلك، اختاروا السير فيه لأنهم يدركون أن الحياة بلا كرامة موت مؤجل، وأن الوقوف صامتين أمام جرائم الاحتلال خيانة للتاريخ والإنسانية.

إن استهداف رئيس الحكومة التابعة لأنصار الله وعدد من الوزراء ليس مجرد ضربة عسكرية، بل إعلان حرب على فكرة المقاومة ذاتها. لكنه إعلان يفضح عجز إسرائيل أكثر مما يظهر قوتها. فالمحتل الذي يخشى صوت اليمنيين، ويمتد بطائراته آلاف الكيلومترات لاغتيال قادتهم، يعلم أن كل قنبلة يسقطها على صنعاء أو الحديدة ستُسقط معه وهم التفوق المطلق، وستزرع في المقابل بذور تحدٍ أشد صلابة.

اليمنيون، بتاريخهم الطويل في مواجهة الغزاة، لا يركعون لقوة ولا يستكينون لحصار. بل كلما اشتد القصف، زاد إيمانهم أن دماء شهدائهم ليست خسارة، بل استثمار في مستقبلٍ أكثر عدلاً وحرية. ومن هنا، يصبح اغتيال القادة تكتيكًا فاشلاً، لأن المقاومة فكرة، والفكرة لا تُقتل.

حماس حين نعت شهداء اليمن لم تكن تؤدي واجبًا بروتوكوليًا، بل كانت تؤكد وحدة الدم والقضية، وأن المقاومة من غزة إلى صنعاء ليست جزرًا متباعدة، بل جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. هذه الحقيقة وحدها هي ما يرعب المحتل: أن أي عدوان على فلسطين يستدعي ردًا من خارج حدودها، وأن المعركة لم تعد محصورة في غزة وحدها.

اليمن اليوم يقدم درسه للعالم: أن الشعوب التي تختار الكرامة تعرف أن الثمن سيكون باهظًا، لكنها تؤمن أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. وما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل امتحان لإرادة أمة بأكملها. والمحتل، مهما بالغ في القتل والتدمير، لن ينجح في كسر شعب قرر أن يكون سيد قراره لا عبدًا لمعادلات الآخرين.

لقد آن للعالم أن يفهم: اليمن لا يُرهب بالقصف، ولا يُكسر بالتجويع، بل يزيده ذلك عنادًا وإصرارًا. وكلما أسقطوا شهيدًا، ارتفعت راية جديدة، وكلما دمروا بيتًا، بُنيت على أنقاضه إرادة أشد صلابة. إنها ملحمة العزة التي يكتبها اليمن بالدم، ليقول للعالم أجمع: الحرية تُصان بالتضحيات، والكرامة لا تُباع ولا تُشترى.

اليمن اليوم ليس مجرد جغرافيا، بل هو رسالة، وصوت، وصرخة في وجه الظلم. فمن أراد أن يتعلم معنى الكرامة، فليقرأ في ملامح هذا الشعب الذي قرر أن يعيش حرًا، أو يموت شامخًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات