خاص سودان تمورو
قصة النقيب سفيان محمد زين بريمة ليست مجرد خبر عابر في ساحة الحرب السودانية، بل مرآة عاكسة لانهيار المؤسسة الوطنية أمام تمدد المليشيات، ودليل حي على أن الرهان على كيانات هشة لا تقوم على المؤسسية ولا على روح الوطن، هو رهان على سراب ينتهي بصاحبه إلى الأسر أو الموت أو العار.
الروايات حول انضمامه إلى قوات الدعم السريع متناقضة حد التنافر؛ بين من يراه بطلاً أرسلته استخبارات الجيش في مهمة انتحارية لاختراق هذا الكيان وكشف مخططاته، وبين من يراه ضابطاً مهمشاً في الجيش، ساقه الغبن الشخصي والطموح الكسير إلى أحضان مليشيا ظن أنها ستفتح له أبواب المجد. وفي الحالتين، كانت النهاية واحدة: سقوط مأساوي في شرك لم ينجُ منه.
إن صحت الرواية الأولى، فنحن أمام صورة المحارب الذي ضحى بنفسه في سبيل مهمة وطنية، اختار أن يواجه وحشاً متوحشاً من الداخل، فسقط أسيراً وربما شهيداً. هذه ليست خيانة بل بطولة لا يعرفها إلا من اختار أن يكون في الخطوط المظلمة، يغامر بحياته ليمنح الآخرين بعض الضوء.
أما إذا صحت الرواية الثانية، فنحن أمام مأساة شخصية مضاعفة؛ ضابط أخطأ الحسابات، واستجار من قسوة الإقصاء داخل المؤسسة النظامية بنار مليشيا لا ترحم. اعتقد أن كفاءته العسكرية ستصنع له موقعاً، لكنه نسي أن الدعم السريع لا تبنى هرمها القيادي على الكفاءة، بل على الولاءات القبلية والعصبيات الضيقة. ولما حاول الهرب، كان الباب قد أوصد، فسقط في الأسر كما يسقط كل من حاول أن يركب موجة المليشيات دون أن ينتمي إلى شاطئها القبلي.
المغزى الأعمق أن قوات الدعم السريع لم تكن يوماً مؤسسة وطنية، بل كيان قبلي مغلق، يتخلص بلا رحمة من كل غريب يحاول اختراقه، حتى لو كان قائداً كبيراً. وما مصير اللواءين عصام فضيل وعثمان عمليات – اللذين لا يزال الغموض يلف اختفائهما – إلا شاهد على أن السفينة حين تغرق لا تبقي ولا تذر.
قصة النقيب سفيان، سواء كانت بطولة مخفية أم مغامرة خاسرة، تعلّمنا أن اللعب مع المليشيات لعبة بلا قواعد، وأن من يظن أنه قادر على ترويض الوحش سيجد نفسه فريسة بين أنيابه. إنها حكاية عن دولة فقدت توازنها، ومؤسسة عسكرية نزفت من داخلها، ومليشيا تحولت إلى محرقة لكل من يقترب منها دون أن يحمل دمها في عروقه.
في النهاية، سفيان ليس مجرد اسم في قائمة الأسرى أو المفقودين، بل هو درس قاسٍ في أن الاستجارة بالرمضاء من النار لا تعني النجاة، بل احتراقاً مضاعفاً. بين بطل ضحى في مهمة استخباراتية، أو منبوذ أخطأ الحسابات، تظل الحقيقة أن السودان يدفع ثمن غياب الدولة، وأن مصائر رجاله تضيع بين مطرقة الولاء وسندان المليشيا.
