الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباربين "تيمم" مناوي و"تململ" الإعيسر!

بين “تيمم” مناوي و”تململ” الإعيسر!

سودان تمورو:

لم يعد في وسع الحكومة السودانية أن تخفي ملامح التصدع داخل جبهة الشرعية المعلنة، فقد خرجت الخلافات من دائرة الغرف المغلقة إلى فضاء التصريحات العلنية، وأضحت مادة تتداولها المنابر الإعلامية بحدة لا لبس فيها. ما قاله مني أركو مناوي عن حكومة الدعم السريع في نيالا باعتبارها “تيممًا سياسيًا” لا يكتفي بوصف عابر، بل يحمل دلالات عميقة على اهتزاز الثقة في أداء الجيش وإدارته للمعركة. فالتيمم في المفهوم الفقهي ليس سوى بديل اضطراري، يصح عند غياب الأصل ويبطل فور عودته، وهو ما يعني أن مناوي يرى في وجود سلطة الدعم السريع حالة استثنائية، لكنها تكشف في الوقت ذاته فراغًا قاتلًا ناتجًا عن غياب قوة الدولة الشرعية، وهو فراغ لم يتوانَ في تحميل حكومة السودان نفسها وزر استمراره. تلك إدانة صريحة لمؤسسة الدولة التي اكتفت بالمشاهدة بينما تتشكل سلطة موازية على أنقاضها.

وفي المقابل، يأتي موقف وزير الإعلام السابق خالد الإعيسر من لندن كوجه آخر لنفس المشهد المأزوم، حين أعلن في تحدٍ صارخ أنه “لن يسكت ولن يُسكَت”، في وقت جُرّد فيه من مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة. لم يكن سفره محض علاج، بل بدا كرحيل احتجاجي يعبّر عن مرارة رجل همّش داخل سلطة يتنازعها الصراع على الصوت والقرار. تصريحاته الغاضبة لا تكشف عن نزاع فردي، بل عن ثقافة إقصاء تعصف بالمؤسسات، حيث لم تعد التعددية ولا حرية التعبير داخل دوائر الحكم خيارًا متاحًا، بل عبئًا يلقى من يرفعه خارج الصف.

هذان الموقفان، من مناوي والإعيسر، يلتقيان في نقطة واحدة: أن الشرعية التي يتحدث عنها الجيش وحلفاؤه لم تعد صلبة بما يكفي لتحمل اختلافات الداخل. مناوي يصرخ من دارفور محذرًا من تباطؤ قاتل في استعادة الأرض والقرار، والإعيسر يصرخ من لندن محتجًا على خنق الصوت وتقييد حرية الموقف. كلاهما يكشف أن الأزمة ليست فقط مع قوات الدعم السريع المتمردة، بل في صميم التحالف الذي يفترض أنه يقود جبهة الشرعية.

إن أخطر ما تواجهه حكومة السودان اليوم ليس فقط قوة العدو في الميدان، بل هشاشة الصف الداخلي وتناقص رصيد الثقة بين الشركاء. الاعتراض من الخارج قد يُقاوم، لكن التململ من الداخل هو مؤشر على أن الشرعية نفسها بدأت تفقد مبررات بقائها. فالتيمم السياسي الذي وصفه مناوي، والتململ العلني الذي عبّر عنه الإعيسر، هما في جوهرهما علامات على انهيار الركائز، ودليل على أن الشرعية لا تُبنى بالخطابات ولا بالمسميات، بل بالقوة الفاعلة والقدرة على احتواء الخلاف وصون التعددية.

وإلا فإن مصيرها لن يكون إلا الزوال مع أول قطرة ماء شرعية حقيقية، أو مع أول صوت يرفض الصمت ويصر على أن يقول كلمته حتى لو دفع ثمنها عزلة أو إقصاء. وفي النهاية، فإن ما يجري ليس سوى إنذار مبكر بأن السودان مقبل على امتحان قاسٍ، حيث تتحدد فيه معاني الشرعية من جديد، وتُفرز فيه القوى القادرة على البقاء من تلك التي تكتفي بالعيش على رماد التيمم السياسي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات