خاص سودان تمورو
يأتي قرار عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول شمس الدين كباشي، بإخلاء مدينة الأبيض من القوات المقاتلة والإبقاء على الشرطة فقط، كخطوة بالغة الأهمية تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة وضروراتها. فهذا القرار ليس مجرد استجابة لضغوط شعبية أو ترف سياسي، بل هو إعادة ترتيب لمعادلة الأمن وبداية جادة لاستعادة هيبة الدولة وسيادتها على الفضاء المدني.
وجود القوات المقاتلة، سواء كانت تابعة للجيش أو للحركات المسلحة، داخل المدن يُعد خللاً خطيراً في البنية الأمنية ويشكّل تهديداً مباشراً لحياة الناس. فهذه القوات بطبيعتها معدّة للقتال في ساحات الحرب، لا للتعامل مع المدنيين وحماية أحيائهم. ولذلك فإن بقاءها في المدن يعني بالضرورة تحويل المجال المدني إلى ثكنة عسكرية، وفتح الباب لانتهاكات تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان، وهو ما عاناه أهل الأبيض طويلاً ورفعوا بشأنه أصواتهم المستغيثة.
قرار كباشي يحمل اعترافاً ضمنياً بهذه المعاناة، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن حماية المدنيين فوق كل اعتبار، وأن مهمة ضبط الأمن الداخلي ينبغي أن تظل حصراً بيد الشرطة. وهو بذلك يضع حداً لوضع شاذ استنزف ثقة الناس في مؤسسات الدولة، ويمهّد لعودة علاقة طبيعية بين المواطن وأجهزته الأمنية.
لكن التحدي الأكبر يكمن في أن تظل هذه الخطوة محصورة في الأبيض وحدها. فالمشهد الأمني السوداني برمته يعاني من ذات الإشكالية، سواء في الخرطوم أو غيرها من المدن. وإذا لم يُعمَّم هذا القرار على كامل التراب الوطني، فإن أثره سيظل محدوداً وستبقى جذور الأزمة قائمة. المطلوب إذن هو شجاعة سياسية لمواصلة ما بدأه كباشي، وتوسيع نطاق القرار ليشمل كل المدن السودانية دون استثناء.
إن السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في حالة الفوضى وتنازع السلاح، أو بناء دولة مدنية يسودها القانون وينعم فيها المواطن بالأمن. وإخلاء المدن من القوات المقاتلة هو الخطوة الأولى واللازمة في هذا الاتجاه. فالجيش ينبغي أن يبقى في الثكنات لحماية الحدود، والحركات المسلحة يجب أن تندمج وفق مسارات السلام أو تبقى خارج المجال المدني، بينما يتولى جهاز الشرطة المسؤولية الحصرية عن أمن الناس داخل المدن.
ذلك هو الطريق نحو استقرار حقيقي وسلام دائم، وهو ما ينتظره المواطن السوداني الذي سئم من الصراع والانتهاكات وآن له أن يعيش في أمان. قرار الأبيض إذن ليس مجرد تدبير أمني، بل هو وعد بمستقبل أفضل إذا ما توافرت الإرادة لتعميمه وتطبيقه بصرامة في كل مكان.
