سودان تمورو
تستعد فرنسا لمظاهرات وإضرابات ومقاطعة واسعة في 10 سبتمبر/أيلول بعد دعوة حركة “لنغلق كل شيء” التي انطلقت في البداية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى “شل البلاد” احتجاجا على مشروع الميزانية الذي اقترحه رئيس الوزراء فرانسوا بايرو، الذي واجه تهديدا بسقوط حكومته.
“مقاطعة وعصيان وتضامن” هذا هو عنوان حركة “لنغلق كل شيء” التي تهدف لشل فرنسا في 10 أيلول/ سبتمبر التي انطلقت عبر مبادرة في وسائل التواصل الاجتماعي. ويقول أصحاب هذه المبادرة إنهم مستقلون عن الأحزاب السياسية والنقابات. ويشرف عليها عشرون شخصا وفق صحيفة لوباريزيان.
السبب الأساسي في رواج الدعوة هو مشروع الميزانية الذي اقترحه رئيس الوزراء فرانسوا بايرو والذي يشمل تقليص نفقات تصل إلى 43.8 مليار يورو بهدف الحد من العجز المتنامي. ومن بين بنود هذا المشروع المثيرة للجدل إلغاء يومي عطلة رسمية وخفض نفقات الصحة بـ5 مليار يورو.
يبدو أن مشروع الموازنة الذي قدمه بايرو أيقظ شعورا بالظلم الاجتماعي لدى فئة من الفرنسيين. وفي هذا السياق المتشنج، دعا أصحاب المبادرة إلى “إغلاق شامل وغير محدود للبلاد في 10 سبتمبر/أيلول” قبل أسابيع قليلة من طرح مشروع الموازنة أمام الجمعية الوطنية.
وأدت هذه المبادرة إلى ردود فعل سياسية مزلزلة أهمها دعوة بايرو في أواخر أغسطس/آب إلى “تصويت على الثقة” لحكومته من المقرر إجراءه في 8 أيلول/ سبتمبر.
وتشير كل الترجيحات إلى أن بايرو سيخرج خاسرا من هذا التصويت ما سيجبره على الاستقالة لتجد فرنسا نفسها مجددا دون حكومة أو ميزانية.
ويقول أندرو سميث المختص في تاريخ فرنسا الحديث في جامعة كوين ماري في لندن أنه “في حال سقوط الحكومة في 8 سبتمبر/أيلول، فإن الناس سيشعرون في 10 سبتمبر/أيلول أن الشارع هو المكان الذي يجب أن تمارس فيه السياسة. وستكون المظاهرات أكثر زخما، لأنها ستجري في خضم أزمة سياسية جلية”.
فرنسيون يشعرون بأنهم “تركوا لمصيرهم”
على موقعها الرسمي الذي حذف في وقت لاحق، تتضمن مبادرة “لنغلق كل شيء” مطالب مختلفة: تكثيف الاستثمار في القطاع العام ووقف إلغاء الوظائف، والإبقاء على كل أيام العطل الرسمية.
لكن هذه الحركة لا تستهدف الحكومة فقط، إذ تهدف التعبئة إلى مقاطعة المتاجر الكبرى مثل كارفور وأمازون وأوشان “التي تستفيد من خفض الضرائب وتتلقى مساعدات عمومية مع الضغط على موظفيها”، وسحب الأموال من البنوك الكبرى “المتواطئة في المضاربة وسياسة الهدم الاجتماعي” و”الاحتلال السلمي للأماكن الرمزية مثل محافظات الشرطة ومقرات البلديات”.
وحصل منشور مرتبط بالدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أكثر من مليون ونصف مشاهدة حثت مساندي “لنغلق كل شيء” إلى “مقاطعة شاملة والوقوف في وجه عصابة منظمة تمارس الابتزاز”.
منشور على منصة إكس يستعرض أهداف حركة “فلنغلق كل شيء” في فرنسا. © منصة إكس
قال المنشور في 10 سبتمبر/أيلول: “لن ندفع ولن نستهلك ولن نعمل وسنبقي أطفالنا معنا، سلطتنا الوحيدة هي المقاطعة الشاملة”.
تسعى الحركة إلى جعل التحرك جماعيا من خلال إنشاء صناديق دعم للمضربين وتنظيم مجالس في الأحياء ودعم من ينفذ عمليات عصيان.
من المحتمل أن الغضب من فكرة إلغاء يومي عطلة كان من أهم الدوافع لدعوات التظاهر وفق بول سميث رئيس قسم اللغات الحية في جامعة نوتنغهام البريطانية، الذي يوضح: “إلا أن سبب هذه الحركة أوسع من ذلك، إنها تتعلق بفكرة أن الناس تركوا لمصيرهم”.
فرنسا.. رئيس الحكومة بايرو: هل بدأ العد التنازلي؟
“الأمر يتعلق بالدعوة إلى إعادة توجيه الاهتمام السياسي لأزمة كلفة المعيشة وشعور الناس بأنهم غير ممثلين بما يحدث في البرلمان” يقول من جهته آندرو سميث.
تعيد هذه المبادرة إلى الأذهان مظاهرات “السترات الصفراء” التي انطلقت في فرنسا عام 2018 ضد الترفيع في أسعار المحروقات التي استقطبت عشرات الآلاف من المحتجين الذين انتابهم شعور بغياب العدالة الاقتصادية.
لم تكن مظاهرات السترات الصفراء مرتبطة بأي حزب أو نقابة وليس لها زعيم. واتخذت السترة الصفراء التي يشترط القانون الفرنسي وجودها في السيارات، رمزا لها.
فيما يتعلق بالأهداف المادية، حققت مظاهرات السترات الصفراء نجاحا جزئيا كان أهم تجلياته الترفيع في الحد الأدنى للمعاشات.
أما “لنغلق كل شيء” فإنها ليست متواجدة إلى حد الآن إلا على المنصات الرقمية. إلا أن تنظيمها بطريقة أفقية وغير هرمية وحالة الغبن العام في فرنسا تجاه السلطات ولهجتها الصدامية، تعد من النقاط التي تجعلها متشابهة مع حركة السترات الصفراء.
من يقف وراء المبادرة؟
في الوقت الذي يقول فيه أصحاب مبادرة “لنغلق كل شيء” إنهم غير مسيسين، فإن عدة أسئلة بشأن منشئها ما تزال غامضة.
ولا توجد معلومات كثيرة حول من يدير هذه المجموعة وتوجهاتها فيما يقول أندرو سميث “من الحكمة أن نكون متيقظين لاحتمال وجود تلاعب بالرأي العام، خصوصا من أطراف قد تكون لها مصالح خارجية”.
وصعدت هذه الدعوة إلى الواجهة بعد إعلان بايرو عن مشروع الميزانية، عندما سارعت وجوه من اليمين المتطرف إلى دعم التحرك.
بعد ذلك، حصلت الدعوة على مساندة أوسع من الأحزاب اليسارية وعلى رأسهم زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلنشون.
“تماما مثل السترات الصفراء، توجد رغبة من الناس في محاولة افتكاك قدر من الفعل السياسي” يقول أندرو سميث.
ويشير استطلاع نشر مركز الدراسات الفرنسي “مؤسسة جان جوراس” نتائجه الإثنين، إلى ميول يسارية لمساندي المبادرة.
ومن بين 1000 شخص استطلعت آراؤهم في منتصف آب/ أغسطس، فإن 69 بالمئة منهم قالوا إنها صوتت لصالح ميلنشون في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية لسنة 2022.
وقال 2 بالمئة منهم فقط إنهم صوتوا للرئيس إيمانويل ماكرون و3 بالمئة لصالح مارين لوبان (اليمين المتطرف) في نفس الاقتراع.
وأشار تقرير “مؤسسة جان جوراس” إلى أنه بالرغم من تشابه جلي لدعوة “لنغلق كل شيء” مع حركة السترات الصفراء إلا أن أنصارها يركزون على انعدام الأمن الاقتصادي و”تسييس أكبر ورغبة في التحرك باسم المصلحة الجماعية”.
نقص الدعم من النقابات
ورفض معظم زعماء كبرى النقابات العمالية الاصطفاف إلى جانب “لنغلق كل شيء” على الرغم من إقرارهم بمشاركتها بعضا من هواجسها السياسية.
وحصدت عريضة وقعتها خمس نقابات كبرى ضد مشروع ميزانية بايرو في 22 تموز/ يوليو أكثر من 375 ألف توقيع.
وحدها نقابة “سي جي تي” اليسارية قالت بأنها ستدعم “لنغلق كل شيء” من خلال تنظيم إضرابات في 10 أيلول/ سبتمبر.
فيما يخلص بول سميث إلى القول بأنه، بالمقارنة مع إضراب عمالي عادي، فإن تحركات 10 سبتمبر/أيلول المنتظرة ستكون “أقل إحاطة وتنظيما، وهو ما يجعل إيقافها أمرا صعبا جدا”.
