سودان تمورو
مرة أخرى، تخرج الولايات المتحدة من عباءتها الإمبريالية لتفرض على العالم إملاءاتها، غير آبهة بسيادة الأمم ولا باستقلالية قراراتها. فقد أفادت صحيفة “فاينانشال تايمز” عن نية واشنطن الضغط على دول مجموعة السبع لفرض رسوم جمركية مرتفعة على الهند والصين، عقابًا لهما على شراء النفط الروسي، في محاولة لدفع موسكو نحو طاولة المفاوضات مع أوكرانيا. هذه الخطوة ليست سوى وجه جديد من وجوه الصلف الأمريكي الذي لا يرى في العالم إلا مسرحًا تُدار دماه بخيوط البيت الأبيض.
لقد زجّت أمريكا بأوكرانيا في حرب بالوكالة، أوهمتها بالنصر السهل، ثم تركتها غارقة في الدماء والأزمات. وحين تعذّر الحسم، لم تجد واشنطن أمامها سوى المزيد من التصعيد: عقوبات، ابتزاز، ومحاولات لتجييش العالم ضد روسيا. لكن الأخطر أن هذه العقوبات لم تعد تقتصر على الخصوم المباشرين، بل امتدت لتطال قوى كبرى ذات سيادة مثل الهند والصين، فقط لأنها اختارت أن ترسم مسارها المستقل.
من الإنصاف القول إن روسيا نفسها ليست بريئة من إرثها الاستعماري، ولا من دورها في زعزعة الاستقرار العالمي عبر عقود طويلة. لكن المسألة اليوم تتجاوز محاسبة روسيا؛ إنها معركة مع منطق الهيمنة الأمريكية الذي يريد أن يصادر حق الدول في اتخاذ قراراتها السيادية، ويجعل من مخالفة واشنطن جريمة تستحق العقاب.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل ستستسلم الهند والصين لهذه الضغوط؟ الأرجح أن الجواب هو النفي. فالهند، التي تصعد كقوة إقليمية ودولية، تسعى لبناء سياسة خارجية متوازنة لا تخضع لأي محور، وتدرك أن الرضوخ للإملاءات الأمريكية يعني خسارة استقلالية القرار التي دفعت ثمنها غاليًا عبر تاريخها. أما الصين، فهي في قلب الصراع العالمي مع واشنطن، ولن تقبل أن تكون رهينة عقوبات تُقيد مساراتها التجارية والاقتصادية. على العكس، ستستغل هذه الضغوط لتسريع خطواتها نحو بناء منظومات بديلة، سواء عبر تعزيز تحالف “بريكس”، أو عبر فتح مسارات تجارية جديدة تعتمد على العملات المحلية وتتجاوز قبضة الدولار.
إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى العالم واضحة: اليوم تُعاقب الهند والصين، وغدًا سيأتي الدور على كل من يجرؤ على الخروج عن الطاعة. إنها سياسة العصا الغليظة التي لا تعرف سوى لغة الإملاء والابتزاز. والخنوع لهذه السياسة لا يزيد واشنطن إلا طغيانًا، بينما المواجهة الجماعية وحدها قادرة على كسر هذه الهيمنة.
لقد حانت اللحظة الفاصلة. العالم يقف عند مفترق طرق: إما الاستسلام لهيمنة مطلقة تُصادر سيادة الشعوب، وإما الشروع في بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يعيد الاعتبار للعدالة والتوازن. الخيار ليس سهلًا، لكنه حتمي. فإما كرامة تُنتزع بثمن، وإما ذل يُقبَل بضمانات وهمية.
