السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمحكمة لاهاي بين مسرح العدالة وانتقائية المعايير!

محكمة لاهاي بين مسرح العدالة وانتقائية المعايير!

خاص سودان تمورو

أعربت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في السودان عن ترحيبها بتحديد موعد الحكم في قضية علي كوشيب، وعدّت ذلك انتصاراً لملايين الضحايا في معسكرات النزوح واللجوء، مؤكدة أن العدالة لن تكتمل إلا بتسليم بقية المطلوبين وعلى رأسهم عمر البشير وأحمد هارون وعبدالرحيم محمد حسين. هذه المواقف تعكس توقاً عميقاً لدى الضحايا إلى أن يروا جلاديهم في قفص الاتهام، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب واسعاً أمام سؤال أكبر: أي عدالة تلك التي ننتظرها؟ ومن يملك حق إصدار أحكامها؟

لا جدال في أن البشير وهارون وكوشيب وعبدالرحيم وغيرهم ممن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء مجرمون يستحقون أقسى العقوبات، ولا يليق بضحايا دارفور أن يطويهم النسيان أو أن تذوب آلامهم في مساومات السياسة. لكن إسناد أمر محاكمتهم إلى محكمة جنائية دولية تعاني من عوار بنيوي وازدواجية صارخة يجعل الأمر محاطاً بالشكوك. فهذه المحكمة التي تُسرع إلى محاكمة قادة أفارقة، تغض الطرف عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وعن الحروب الأمريكية التي دمرت العراق وأفغانستان واليمن، وعن حصارات خانقة أزهقت أرواح الملايين. كيف لمن يكيل العدالة بمكيالين أن يُقنع الضحايا بصدق مقاصده؟

إن رفض المحاكم الدولية ليس دفاعاً عن المجرمين، بل موقف مبدئي ضد شرعنة عدالة انتقائية تخدم مصالح الأقوياء. العدالة الحقيقية يجب أن تُصاغ على أرض الوطن، عبر قضاء وطني مستقل، ينطلق من إرادة الشعب لا من قرارات تُطبخ في أروقة مجلس الأمن. وإذا كان القضاء السوداني اليوم عاجزاً ومخترقاً، فالمطلوب إصلاحه وبناؤه ليصبح أداة لإنصاف المظلومين، لا ذراعاً للانتقام السياسي.

لقد آن الأوان أن يصرخ الضحايا لا فقط في وجه كوشيب والبشير، بل في وجه العالم الذي يتاجر بدمائهم. العدالة لا تتجزأ، إما أن تكون ميزاناً واحداً للجميع، أو تصبح مسرحية هزلية يراد منها إذلال المستضعفين وتلميع صورة القوى الكبرى. لن نمنح شرعية لمحكمة تتعامى عن أفظع الجرائم، بينما تُشهر سيوفها على رقاب الضعفاء.

إن معركة العدالة في السودان لا تُحسم في لاهاي، بل تُحسم في الخرطوم والفاشر والجنينة، حيث يقف الشعب على جراحه ليبني مؤسساته، وليقول للعالم: نعم لمحاكمة المجرمين، لكن على أرضنا وبقوانيننا، حتى تبقى العدالة عدالة، لا انتقائية ولا وصاية أجنبية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات