خاص سودان تمورو
لم يعد المشهد السوداني بحاجة إلى مزيد من الأدلة على أن ما يسمى بـ”حركات التمرد” ما هي إلا سوق للنخاسة السياسية والعسكرية، تُباع فيه الولاءات وتُشترى، ويتنقّل فيه القادة بين المعسكرات كما يتنقّل المرتزقة بين ساحات الحروب. إعلان انضمام مجموعة منشقة من حركة العدل والمساواة بقيادة سليمان صندل إلى صفوف حركة تحرير السودان بزعامة مني أركو مناوي ليس حدثاً استثنائياً ولا اختراقاً سياسياً، بل هو فصل جديد من مسرحية تتكرر منذ عقود، بطلها المال والسلطة، وضحيتها الوطن والمواطن.
هؤلاء القادة الذين يرفعون رايات التحرير والعدالة لا يملكون مشروعاً وطنياً ولا رؤية سياسية، بل يعيشون على براغماتية متقلبة، يتلونون مع الموازين، وينتقلون بين الجيش والجنجويد والقوى الإقليمية والدولية وفقاً لما تمليه المصالح الضيقة. فاليوم يتحالفون مع الجيش، وغداً يفاوضون الدعم السريع، وبعد غدٍ قد يظهرون تحت جناح قوة أجنبية. معيارهم الوحيد هو المكاسب، أما الشعارات فليست سوى أقنعة تغطي وجه المرتزقة.
إنّ وصفهم بالمرتزقة ليس مبالغة، بل توصيف دقيق. فالمرتزق لا يقاتل من أجل قضية، بل من أجل ثمن. وحين تتحول الانشقاقات والاندماجات إلى مشهد يومي، يصبح واضحاً أن هذه الحركات لم تعد سوى شركات مقاولات سياسية، يتنافس قادتها على الغنائم بينما يتساقط الأبرياء ضحايا رصاصهم وقنابلهم. إنها رقصة على جثث الأبرياء، حيث تُراق الدماء بلا طائل، ويُنهب المستقبل بلا خجل.
المعضلة الكبرى أن استمرار هذه اللعبة لا يهدد فقط أمن السودان واستقراره، بل يكرّس ثقافة الفوضى ويقوّض أي إمكانية لبناء دولة القانون. كيف يمكن لشعبٍ أن يحلم بانتقال ديمقراطي بينما السلاح مبعثر في أيدي مليشيات تتبدل ولاءاتها كأوراق الريح؟ وكيف يمكن الحديث عن سلامٍ أو تنمية بينما القادة الذين يفترض أن يقودوا التغيير يستثمرون في الأزمات ويغذّون الانقسامات؟
الحل لا يكمن في مزيد من الانشقاقات ولا في تبدّل التحالفات، بل في قرار وطني شجاع يقطع الطريق على أمراء الحرب، عبر نزع سلاح هذه المليشيات، ومحاسبة قادتها على جرائمهم، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة، لا على أسس الغنيمة والولاءات القبلية. فإما أن يكون السودان دولة تسودها القوانين والمؤسسات، أو يظل رهينة لمسرحيات المليشيات ورقصات المرتزقة.
السودان لا يستحق أن يُختزل في صراعات هؤلاء القادة الذين يبيعون دماءه في المزاد. إنه يستحق مشروعاً وطنياً حقيقياً يعيد للشعب كرامته وللوطن سيادته، مشروعاً يكتب النهاية الحاسمة لحقبة المرتزقة، ويفتح الباب لعهد الدولة الراسخة التي لا تدار بالبندقية، بل بالعدل والحكمة والرؤية.
