خاص سودان تمورو
إعلان وزارة المعادن عن تشكيل قوة مشتركة من الأجهزة العدلية والعسكرية والأمنية والشرطية لمراقبة وتأمين قطاع التعدين قد يبدو للوهلة الأولى قرارًا عقلانيًا، لكنه في جوهره إعادة إنتاجٍ لذات المقاربة الأمنية العقيمة التي أثبتت فشلها مرارًا. فهل يُعقل أن يكون الحل لحماية الذهب هو تكليف الجهات ذاتها التي تغلغلت فيها شبكات الفساد، والتي درجت على تحويل الثروات الوطنية إلى غنائم شخصية، بمهمة الرقابة والحماية؟ أليس هذا أشبه بتسليم الثعلب مفاتيح حظيرة الدجاج؟
المشكلة ليست في غياب القوة المسلحة، بل في غياب الإرادة الاقتصادية الرشيدة والآليات المؤسسية الشفافة. المهربون ليسوا مجرد مجرمين على الهامش، بل هم شبكة عميقة النفوذ، اعتادت على شراء الذمم واختراق الأجهزة الأمنية والعسكرية عبر الرشوة والترهيب. فما الفائدة إذن من إضافة قوة جديدة إلى معادلة فاسدة أصلًا؟ إن تكليف العسكر والشرطة بمراقبة الذهب لن يُوقف التهريب، بل قد يفتح أبوابًا جديدة للعمولات والصفقات المظلمة.
الحل الحقيقي لا يوجد في فوهات البنادق، بل في لغة الاقتصاد. إن إنشاء بورصة ذهب وطنية، تُباع فيها الموارد بالسعر العالمي وبشفافية تامة، هو السبيل الأمثل لقطع شريان التهريب. عندها يصبح البيع عبر القنوات الرسمية أكثر ربحية وأمانًا من تهريب الذهب عبر الحدود، فيتقلص نفوذ المهربين تلقائيًا. وبالمقابل، فإن ربط العملة المحلية بالإنتاج الفعلي من الذهب وغيره من الموارد، بدلاً من طباعة النقود بلا غطاء، سيعزز قيمة الجنيه السوداني، ويضع الاقتصاد على سكة الاستقرار.
لكن أي إصلاح اقتصادي يظل ناقصًا ما لم يُدعَّم ببناء مؤسسات قوية مستقلة تُشرف على قطاع التعدين وتفرض القانون على الجميع دون استثناء. فلا حماية للثروة الوطنية ما لم تُكسر حلقة الحصانات السياسية والعسكرية، وما لم يُفتح الباب للمساءلة الحقيقية. إن الذهب الذي يفترض أن يكون عماد اقتصاد السودان تحول إلى نقمة تُغذي الصراع والفساد، والسبب أن الدولة تعاملت معه بعقلية أمنية بدلاً من عقلية اقتصادية.
المطلوب إذن ليس مزيدًا من القوات المشتركة، بل شجاعة سياسية لكسر قبضة شبكات التهريب، وثورة في إدارة الموارد تجعل الشفافية والاقتصاد هما الحارسان الحقيقيان للثروات الوطنية. عندها فقط يمكن أن يتحول الذهب من لعنةٍ تنزف بها البلاد إلى ثروةٍ تنقذها.
