سودان تمورو
إن قطع التيار الكهربائي وفرض انقطاعٍ شبه كامل للإنترنت عن مدينة غزة وشمالها، وسط استمرار القصف وإراقة الدماء، ليس مجرد إجراء عسكري تكتيكي؛ بل هو استراتيجة منهجية تهدف إلى تجريد سكان القطاع من كل وسائل الحياة والاتصال، وإخراج معاناتهم من سجلات الوعي العالمي. الأمم المتحدة وحركات الإغاثة تحذّر من أن إغلاق المعابر وقطع الإمدادات قد يدفع شمال غزة إلى مستويات مجاعة فعلية ويجعل إيصال الغذاء والوقود والماء شبه مستحيل.
الطمسُ الاتصالي لا يوازيه في القسوة إلا قطع الكهرباء الذي يهدّد تشغيل محطات تحلية المياه والمستشفيات ووحدات التبريد للأدوية الحيوية؛ بهذا المعنى، صار الحصار تقنية قتل طويلة الأمد لا تقل فظاعةً عن القصف. المنع من التواصل يُبعد أعين العالم ويعمّق عزلة الضحايا، ويُضعف قدرة المنظمات الإنسانية على التنسيق والإنقاذ — وهو ما أكدت عليه تقارير الأمم المتحدة حين رصدت انهيار خدمات الإنترنت والاتصالات الذي شلّ جهود الإغاثة.
وما يشيع من خطابات تبريرية أو تصويرٍ عسكري محض لقطاعات من السكان كقنابل بشرية، لا يغير الحقيقة الأساسية: قتل المدنيين من خلال التجويع والتشريد ليس خيارًا عسكريًا أخلاقيًا، بل جريمة إنسانية وصياغة جديدة لسياسة الإبادة البطيئة. إن من يقطع الكهرباء عن مستشفىٍ يعالج مصابين، أو يوقف إنترنت مجموعةً منظمةً لكي لا تنقل صور المجازر للعالم، يُنقِّش على صفحة التاريخ فعلًا لا يغتفر. تقارير المؤسسات الحقوقية والأمم المتحدة روت مرارًا كيف أن هذه الممارسات تُضاعف من معاناة النازحين والمرضى والأطفال.
الصمود الفلسطيني في غزة فعل بطولي إنساني يتجاوز الخطاب السياسي. لكنّ المجد الأخلاقي للصمود لا يُعوّض استحالة البقاء بلا ماء ولا غذاء ولا دواء ولا طاقة كهربائية. منطق المقاومة لا يمكن أن يتغذّى على التعظيم وحده إن لم تتوفّر شروط الحياة الإنسانية. وفي المقابل، فإنّ منطق الانتقام والتهجير لا يترك خلفه سوى إرث من الحقد والدورات الأبدية للصراع التي تزرع بذورها اليوم بفعل هذه الممارسات الوحشية.
المجتمع الدولي أمام اختبارٍ قاسٍ: هل ستبقى المؤسسات الدولية مُكتفيةً بالبيانات الاستنكارية، أم ستتحول إلى ضاغطة فعلية لتأمين ممرات إنسانية آمنة، وإعادة تشغيل خدمات الكهرباء والماء والاتصالات فورًا؟ كل تأخيرٍ في التحرك يعني مزيدًا من الوفيات التي يمكن تلافيها، ومزيدًا من تدمير لا يُعوَّض. تقارير المساعدة تحذّر من أن الفرصة لإبقاء حياة الملايين ممكنة — لكنها تتلاشى بسرعة إذا استمر إغلاق المعابر وحرمان الناس من الوقود والطاقة.
أما الأخلاق التي تختبئ وراء الشعارات السياسية، فهي لا تقبل البراءة المؤقتة: من يرتكب أو يبرر حرمان الناس من مقومات الحياة يصبح شريكًا في جريمةٍ جماعية، وسيُسأل عنها أمام الضمير الإنساني والتاريخ. لذا فإن المطالبة الأولى والملحّة هي لوقف فوري للعقاب الجماعي، وإعادة فتح جميع طرق الإمداد الإنسانية، وضمان حماية المدنيين وفق القانون الدولي. إن حماية الإنسان أساس كل كلام عن أمن أو استراتيجية؛ إخراج ذلك من الاعتبار يعني تحويل السياسة إلى غطاءٍ للقتل.
في النهاية، يبدو واضحًا أن المعركة ليست فقط على الأرض بين جنود، بل على مساحات الإعلام والضمير والإنسانية. حرمان غزة من الكهرباء والاتصال هو محاولة لإخفاء الجريمة نفسها؛ لكن إصرار الناس على البقاء، وإيصال الصورة للآخرين، ونداءات الإنسانية التي لا تتوقف، كلها عوامل تكسر محاولات الطمس. وعلى المجتمع الدولي أن يختار: أن يكون شاهدًا محايدًا أم فاعلًا قادرًا على إنقاذ حياة ملايينٍ الآن قبل فوات الأوان.
اللهم أنصر المظلومين، واجعل للحق مكانه، وأجِب نداء الضمير البشري.
