سودان تمورو:
لم يفق كثيرون بعدُ من صدمة مقال سابق وصف الحزب التقدمي والحركة المتأسلمة بأنهما توأمان سياميان: هذا يتزيّا بلبوس “الادعاء الثوري الزائف”، وذاك يغرق في “الهوس الديني المكشوف”. وها أنا اليوم أعود مضطراً للكتابة، بعد أن انكشفت الغلالة وسقطت الأقنعة، فإذا بنا أمام مغازلات مكشوفة، وتمهيد لمسرح “زفة كاثوليكية” بائخة على جثة الوطن.
أصدقائي التقدميون يعلمون أنني كثيراً ما أتحرج من وصفهم بـ”التعاسة” أو “خيبة الرجاء”، حسب منطوق المثل السائد “اتلمى التعيس على خائب الرجاء”، لكن ماذا أقول وقد رأيتهم يبارون “الجداد” في سيره إلى الكوشة، حيث لا عطر يُستبقى بعد فساد؟
ما تناقلته الصحف لم يترك مجالاً للشك: قيادات إسلامية تدعو لتحالف رسمي مع الحزب الشيوعي تحت شعار “مساندة المؤسسة العسكرية للدفاع عن الوطن”، وتكيل المديح لخصم الأمس وعدوّ العقيدة. سناء حمد العوض – القيادية الإسلامية – تكتب مقالا مطوّلاً تُشيد فيه بتاريخ الحزب الشيوعي وتدعو لفتح “صفحة جديدة”. أما قائد فيلق البراء بن مالك فذهب أبعد، مرحباً بطلب الشيوعي استرداد داره من السلطات الانقلابية، وكأننا أمام “عودة مظفرة” إلى الحياة المدنية!
لكن أي حياة مدنية هذه التي تُبنى على أكتاف العسكر وتزينها رايات الانقلاب؟
الحزب الشيوعي، الذي ملأ الدنيا صراخاً عن “الثورية” و”رفض التسويات”، وجدناه فجأة يتوسل إلى المدير التنفيذي بمحلية أم درمان ليستعيد دار حزبه “وفق اللوائح والقوانين”. أي لوائح هذه؟ أليست هي نفسها لوائح الانقلابيين وقوانين سلطة الأمر الواقع التي لطالما مزقها الحزب في بياناته؟
أليست هذه نفس السلطة التي يدعي الشيوعيون مناهضيها ويشتمون، في ذات الوقت، معارضيها بشعارات من نوع “بكم؟ بكم قحاطة باعوا الدم؟” حين كان الشعب يسيل دمه في الشوارع قرابين للحرية؟ فما بالهم اليوم يطرقون أبوابها بأدب جم؟! وقد رأينا ذلك واضحاً في مبادرة فرع الحزب بعطبرة حين قدّم، أواخر يوليو الماضي، مشروعاً لوزير البنى التحتية في نهر النيل لحل أزمة المياه بتمويل شبكة طاقة شمسية! أليس هذا تماهياً مكشوفاً مع سلطة الجيش منذ انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١؟
والتاريخ القريب لا يرحم: الحزب الشيوعي خرج من تحالف الحرية والتغيير، ثم أفنى جهده في عرقلة حكومة عبد الله حمدوك حتى أُسقطت باستقالة الرجل بعد الانقلاب. وحين اندلعت حرب أبريل ٢٠٢٣، لم يتورع الحزب عن مواقف تفوح منها رائحة التماهي مع العسكر والانقلابيين، بينما القوى المدنية الأخرى دفعت أثماناً باهظة في مواجهة آلة الحرب.
أما الإسلاميون، فالتلون حرفتهم. بعد أن دمّروا السودان ثلاثين عاماً، يريدون اليوم تلميع أنفسهم عبر “تحالف عاقل ووطني وعملي” مع الحزب الذي وصفوه بالأمس بالكفر والإلحاد!
إنها مهزلة كاملة الأركان: حزب يتشدّق بالثورة، وآخر يتستّر بالدين؛ الأول يبيع نفسه بثمن بخس، والثاني يبحث عن غطاء يعيد له شرعية ضائعة. والنتيجة واحدة: تكريس قبضة العسكر، وإطالة عمر الخراب.على أصدقائي الشيوعيين أن يعيدوا النظر: التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى. ومن يضع يده في يد القاتل، لن يُحسب يوماً في صفوف الضحايا مهما علا صراخه بالشعارات.
الوطن لا يحتاج لتحالفات مريبة بين ضحايا الوهم وضباع السلطة، بل يحتاج وعياً جديداً وقوى مدنية نقية لا تتلوث بدماء الشراكات المشبوهة.أتذكرون المثل السوداني الأصيل: “البباري الجداد بوديه الكوشة”؟ لا أظنكم تؤمنون به، وأنتم أسرى أفكار مستوردة لا تنبتها تربة بلادنا الخصبة.السياحة السودانية
الراكوبة
