خاص سودان تمورو
التصريحات الأخيرة لعضو المجلس الرئاسي بتحالف “تأسيس” الهادي إدريس تكشف بوضوح حجم الأزمة الفكرية والسياسية التي تتخبط فيها النخب السودانية. فالرجل يتحدث عن “حسم قضايا جوهرية” في وثائق تحالفه، من علاقة الدين بالدولة إلى حل الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، وكأن المشهد السوداني بكل تعقيداته يمكن تسويته بجرة قلم أو بخطاب شعبوي يغازل هواجس أنصاره. لكن ما طرحه إدريس لم يكن سوى انعكاس لفوبيا الإسلاميين التي تسيطر على خطابه، وإعلان غير واعٍ لانحياز أيديولوجي يعمق الانقسام بدلاً من أن يبني أرضية مشتركة.
من المعيب أن يبشر سياسي بمفهوم العلمانية دون أن يعي دلالاتها أو شروط تطبيقها. فالعلمانية ليست مجرد فصل بين الدين والدولة، بل منظومة متكاملة تقوم على التسامح والقبول وتعدد المرجعيات الفكرية والثقافية. أما اختزالها في حل حزب أو إقصاء تيار، فهو تجريف للفكرة وتحويلها إلى أداة صراع بدلاً من أن تكون وسيلة تعايش. الخطورة هنا أن إدريس ومن يقف وراءه لا يدركون أن أي محاولة لفرض “مبادئ فوق دستورية” بمعزل عن التوافق الوطني، إنما تفتح الباب لمرحلة جديدة من الاستبداد، ولو باسم الحداثة.
الأدهى من ذلك هو حديثه عن أن “دارفور لن تُحكم من جديد من قبل بورتسودان أو الخرطوم”، وهو تصريح لا يمكن اعتباره مجرد هفوة عابرة. فهذه العبارة تنضح بروح انفصالية خطيرة تهدد وحدة السودان. نعم، من حق أهل دارفور المطالبة بالعدالة والمساواة وإنهاء التهميش، لكن تحويل هذه المطالب إلى خطاب جغرافي ضد المركز لا يخدم سوى مشاريع التقسيم التي ظلت تراود الحركات المسلحة وبعض القوى الدولية الداعمة لها. ما قاله إدريس يعكس نزعة قديمة تقوم على تفكيك السودان وإعادة رسمه على أسس عرقية وجهوية، لا على أساس دولة المواطنة التي ينادي بها الجميع.
قد يحاول البعض تبرير حديثه بأنه انفعال سياسي أو سقطة لغوية، لكن سياق الخطاب وسابقة المواقف توحي بغير ذلك. إنه مشروع كامل يسعى لتثبيت معادلة جديدة: إقصاء الإسلاميين من الحياة العامة، وإضعاف المركز، وتعزيز سلطة الأقاليم على نحو يفتح الباب للتجزئة والانفصال. وهو مشروع يجد في فوبيا “الإسلاميين” أداة فعّالة لتسويقه، إذ يُصوَّر الإسلاميون كفزاعة يبرَّر بها كل إجراء مهما كان خطيراً على وحدة البلاد.
الحل الذي يحتاجه السودان اليوم ليس شعارات براقة ولا مبادئ فوق دستورية تُفرض من فوق، وإنما حوار وطني حقيقي لا يستثني أحداً. السودان لن ينهض إلا بشراكة عادلة تشمل كل القوى، بما في ذلك الإسلاميون المعتدلون الذين يمثلون جزءاً أصيلاً من النسيج السياسي والاجتماعي. إن استبعادهم أو محاولة حل تنظيماتهم بالقوة لا يختلف كثيراً عن الاستبداد العسكري الذي ثار عليه الشعب، بل ربما يكون تمهيداً لاستبداد جديد بوجه مدني.
إن المطلوب من تحالف “تأسيس” مراجعة خطابه قبل أن يتحول إلى أداة تقسيم أكثر منه مشروع تأسيس. فبناء الدولة لا يتم عبر الخوف والإقصاء، ولا عبر شعارات تستبطن نزعات انفصالية، وإنما عبر صياغة عقد اجتماعي جامع يعترف بالتنوع ويحتفي بالاختلاف. السودان اليوم بحاجة إلى وحدة وطنية صلبة، لا إلى مزايدات أيديولوجية تزيد الجراح اتساعاً.
السودان أكبر من أن يُختزل في فوبيا ضد الإسلاميين أو نزعات جهوية مدمرة، ومستقبله لا يُبنى إلا على العدل والمساواة والشراكة الوطنية الحقيقية، بعيداً عن وهم الحسم والتهديد بالانقسام.
