الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارسدّ النهضة.. بين لعنة الفتنة وفرصة التكامل!

سدّ النهضة.. بين لعنة الفتنة وفرصة التكامل!

خاص سودان تمورو

بِاسمِك اللهم، والحمد لله الذي أنزل الماء فساقه إلى الأرضين الميتاء، وجعل من تدبيره حكمةً وعبراً. أما بعد..

ها هو سدُّ النهضة يطلُّ برأسه من جديدٍ كفاصلٍ في مسرحيةٍ سياسيةٍ لم تُكتب خاتمتُها بعد، وكأنما قدرُ النيل أن تتصارع حوله الأقدار قبل أن تتصالح حوله الإرادات.

لم تكن الفيضانات التي اجتاحت السودان مجرد كارثة طبيعية، بل كانت صفعةً مدويةً على وجه الغفلة، تنادي الضمير الجمعي للأمة: أنتم تتشاجرون على مقاعد المفاوضات، بينما النهر يفيض على الجميع دون تمييز، يذكّركم أن مصيركم واحد وأن ترف الوقت لم يعد متاحاً.

تصريحات رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس بدت اعترافاً ضمنياً بأن نهج السنوات الماضية لم يثمر سوى الأزمات، حين أعلن بوضوح: “سنُجري مراجعات شاملة، ولن يكون هناك نقاش تحت النفق.” هذه الكلمات ليست بروتوكولاً دبلوماسياً، بل جرس إنذار: أن سرّية المداولات لم تُنتج سوى انعدام الثقة، وأن أوان المكاشفة مع الشعوب قد حان.

في المقابل، يغرد كل طرف منفرداً: السودان يحذر من الفيضانات، مصر تنذر من الجفاف، وإثيوبيا تعرض السد باعتباره حائط صدّ أنقذ السودان من الأسوأ. تناقض السرديات هنا ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو حرب روايات تُخفي خلفها غياباً خطيراً لآلية موحدة وشفافة لتبادل البيانات وتنسيق التشغيل. كيف يمكن لدولٍ ترتبط بدم واحد هو النيل أن يظل كل طرف منها أسير روايته الخاصة وكأنها حقيقة مطلقة؟

إن الدعوة السودانية إلى “الدبلوماسية المباشرة” هي آخر أوراق النجاة قبل انزلاق المنطقة إلى فتنة طويلة الأمد. فهذه القضية لم تعد ورقة ضغط سياسية ولا ساحة شدّ حبال، بل هي مسألة بقاء لشعوب تمتد جذورها في ضفاف النيل منذ آلاف السنين. إن لم تتحول لغة الخطاب من منطق “المكسب والخسارة” إلى منطق “المصير المشترك”، فلن يسلم أحد من الكارثة.

سد النهضة، بقدر ما يُخيف، يمتلك أيضاً إمكانية هائلة للتحول إلى رافعة تكامل. فبدلاً من أن يكون أداة للهيمنة، يمكن أن يصبح منصة تعاون: يمد السودان بطاقة مستدامة ويحميه من فيضانات كبرى، ويحقق لإثيوبيا مشروعها الطموح في الكهرباء، ويضمن لمصر تدفقاً مستقراً يحمي أمنها المائي. لكن ذلك مرهون بقرار شجاع: تأسيس اتفاق مُلزم، منصة دائمة لتبادل البيانات، وآلية فاعلة لفض النزاعات.

إن تأكيد رئيس الوزراء السوداني على تمليك الشعب الحقائق ليس تفصيلاً هامشياً؛ فالشفافية هي السلاح الوحيد لترميم الثقة. ما يُدار في الغرف المغلقة يولد الشكوك ويغذي الأزمات، بينما الوضوح يفتح أبواب المصالحة.

اليوم، يقف القادة أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يتعلموا من درس الفيضان الذي جاء تحذيراً قبل الطوفان، ويضعوا مصلحة شعوبهم فوق ضجيج الخطابات، أو يتركوا المياه تتحول من نعمةٍ إلى نقمة، ومن مصدر حياة إلى شرارة فتنة.

التاريخ لا ينتظر المترددين. الكرة الآن في ملعب القادة: فإما أن يكتبوا صفحة جديدة من التكامل في سجل النيل، أو يتركوا الأجيال المقبلة تواجه عطشاً لا يرحم وندماً لا ينفع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات