سودان تمورو:
تقول الحكاية أنه في أيام ثورة مايو كان السودان يمر بضائقة إقتصادية فقام الرئيس جعفر النميري بأخذ قرض من الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي، وبعد شهور طلب القذافي من نميري أن تمر طائرات الجيش الليبي فوق ارض السودان لمساندة دولة في شرق افريقيا ضد أخرى بسبب خلاف حدودي بينهما، رفض النميري طلب القذافي لأن مبدأ السودان هو عدم التدخل في شؤون الدول المجاورة، فأغضب هذا الأمر القذافي وطلب من النميري استرداد مبلغ القرض في الحال.
حينها لم يتردد النميري وظهر على التلفاز وطلب من كل فرد من أفراد الشعب السوداني دفع قرش واحد، وفعلاً كان هنالك استنفار في كل المصالح والقرى والمدن ودفع كل الشعب السوداني هذا القرش وتم تسديد المبلغ للقذافي وحفظت كرامة الأمة السودانية وسميت هذه النفرة بـ (قرش الكرامة).
لا أود القول أن السودان في عهد النميري كان سيد قراره بنسبة 100% ولكن الشيء المؤكد هو أن البلاد من بعده بدأت تفقد سيادتها على نفسها تدريجيا حتى بلغنا مرحلة قطع العلاقات مع دولة محاباة لدولة أخرى أو بطلب منها وهنا أعني قطع العلاقات مع إيران مجاملة للسعودية سنة ٢٠١٥م ولست هنا في وارد الحديث عن حيثيات القرار ولكنني أردت الاستشهاد فحسب.
في الأيام الماضية كان الكلام حول قيادة تركيا لمبادرة تهدف لإعادة إحياء العلاقات بين الحكومة السودانية ونظيرتها الإماراتية المتهمة بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع.
ولكن لماذا تركيا؟ ولماذا الإمارات؟ .. السبب هو أن حكومة السودان يسيطر عليها أو يتحالف معها الإسلاميين والذين لتركيا تأثير أو حتى ولاية عليهم ولذلك تركيا وليس غيرها تستطيع ضمان تنفيذ أي تعهدات يتفق عليها. أما الإمارات فتعتبر كفيلا لقوات الدعم السريع ما يعني أن كلمتها وتعهداتها تعتبر “فيتو” على قوات “حميدتي” واذا خالفها قطعت دعمها عنه فيضعف تدريجيا حتى يتلاشى كما وهنت حركات دارفور بعد موت القذافي وانقطاع الدعم عنها.
هذا غير فشل السودان في الإلتزام بتعهداته لروسيا بإنشاء قاعدة على البحر الأحمر بسبب رفض دول وازنة مثل مصر، أمريكا والسعودية لأي وجود عسكري روسي في هذه المنطقة. هذا إلى غير التنازلات العديدة التي قدمها السودان لأمريكا في سبيل رفع اسمه من لائحة الإرهاب وبالتالي عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية.
يبدو أن البلاد ستشهد تدخلات كثيرة ومتناقضة في الفترة القادمة وستكون نموذجا أشبه أو حتى أسوأ من لبنان التي تدين معظم نخبها للخارج وتقدم مصلحة الكفلاء على مصلحة وطنها.
