سودان تمورو
في بنية السلطة المعقدة، يُعد احتكار المعلومات هو الوجه الحقيقي للقوة والسيطرة. وما يحدث اليوم في أروقة واشنطن يتجاوز كونه مجرد خلل إداري طارئ، بل يمثل إعادة هندسة صامتة لمراكز القرار. فعندما تُشير التسريبات المتواترة، كالتفاصيل الصادمة التي أوردتها مجلة “آتلانتيك”، إلى أن مستشاري البيت الأبيض يفرضون حصاراً معلوماتياً صارماً على دونالد ترامب، فإننا نقف أمام ظاهرة سياسية خطيرة؛ رئيس يُحجب عن تفاصيل حرب مشتعلة مع إيران، بل وعن مصير طياريه المفقودين، في سابقة تجرد القائد الأعلى من بوصلته الاستراتيجية وتحوله إلى مجرد واجهة فاقدة للأهلية الفعلية.
هذا التغييب الممنهج يفرض علينا إعادة تقييم جذرية لكيفية التعاطي مع السلوك الرئاسي الأمريكي. لقد دأب العالم والمراقبون على حبس أنفاسهم وتحليل كل حرف يُكتب على حساب ترامب، لكن التحليل المعمق لواقع عزلته يؤكد أن تلك التغريدات الصاخبة والتهديدات المدوية في الفضاء الإلكتروني لم تعد تعكس حقيقة التوجهات الأمريكية أو مجريات الميدان. إنها، في واقع الأمر، محض صرخات لرجل قابع في العتمة، يحاول إثبات وجوده في معادلة أُخرج منها فعلياً. وبالتالي، فإن الاستمرار في إعارة الاهتمام لتغريداته أو البناء عليها سياسياً أصبح ضرباً من العبث؛ فالرجل الذي يُستخف به لدرجة تقديم مقاطع فيديو قصيرة لانفجارات بدلاً من التقييمات الاستخباراتية الشاملة، لم يعد يملك من قرار الحرب سوى منصة افتراضية.
غير أن البعد الأهم والأكثر تعقيداً في هذا التحليل يكمن في هوية الفاعلين الجدد. نحن نعلم الآن أن الرئيس مغيب، وأن هناك من يُفلتر المعلومات لتشكيل وعيه بشكل موجه، لكننا نجهل تماماً من يملأ هذا الفراغ السيادي. هل نحن أمام “حمائم سلام” داخل الإدارة قرروا تحييد رئيس متقلب الانفعالات لتجنيب العالم ويلات حرب كارثية؟ أم أننا أمام مجموعة من “صقور الحرب” التي رأت في تردد ترامب عائقاً أمام أجنداتها، فقررت إقصاءه لتمرير تحركات أكثر دموية وتدميراً؟ هذا الغموض يجعل من مسرح العمليات صندوقاً أسود، تُتخذ فيه قرارات مصيرية بعيداً عن أي رقابة دستورية.
من هنا، تتجلى المفارقة في التعاطي مع هذا المشهد العبثي. نحن، وبلا شك، نمتعض ونرفض بصراحة شديدة سلوكيات ترامب الرعناء وسياساته المتهورة التي طالما شكلت تهديداً صريحاً للسلم والأمن الدوليين، ولكننا من منظور استراتيجي بحت، لا يمكننا بأي حال من الأحوال الاحتفاء بهذه الخطوة الانقلابية الناعمة ما لم نعلم يقيناً هوية ودوافع من يقف خلفها. فحين يبدو الرئيس منهكاً ومُفاجَأً بتحركات استراتيجية كبرى فإن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في غياب القائد، بل في اليد الخفية التي تدير دفة الحرب في الظلام.
