الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباربين الدولة المزيفة والمكاتب الوهمية.. من يحرس الحارس؟

بين الدولة المزيفة والمكاتب الوهمية.. من يحرس الحارس؟

خاص سودان تمورو

إعلان “القوة المشتركة” عن إغلاق 19 مكتبًا عسكريًا مزيفًا ينتحل صفتها في مناطق الأزهري ومايو وسوبا والحاج يوسف، ليس إنجازًا أمنيًا بقدر ما هو مرآة لواقعٍ مضطربٍ يختلط فيه الأمن بالانتحال، والشرعية بالفوضى. إنّ ظهور هذه المكاتب المزعومة في قلب العاصمة يكشف أن الدولة باتت تعيش ازدواجية خطيرة: مؤسسات رسمية تتنازعها الولاءات، وميليشيات تُمارس مهام الدولة بغطاء السلاح وشعار الانتماء إلى “القوة المشتركة”.

فحين يصبح الزي العسكري بطاقة مرور في دولةٍ أنهكها الصراع، يتحوّل الأمن إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى في سوق النفوذ. ليست هذه المكاتب سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق: تضخم الميليشيات، وتعدد الجهات المسلحة التي تتحدث باسم “الشرعية”، حتى ضاعت هوية القوة الحقيقية التي تمثل الدولة. إنّ المواطن السوداني لم يعد يفرّق بين الجندي الذي يحميه والمسلح الذي يبتزه، لأنّ الاثنين يرتديان ذات الزي، ويستظلان بظلّ الفوضى.

إنّ المشكلة لا تكمن في “الانتحال” وحده، بل في البيئة التي تسمح به. فحين تُدار المدن بعقلية الجبهات، وتتحول الأحياء إلى ثكنات، تصبح الفوضى بنيةً تحتية للأمن نفسه. كيف يُغلق مكتبٌ وهمي، بينما السلاح الحقيقي ما زال ينتشر بلا قيد ولا ترخيص؟ وكيف يُستعاد الاستقرار، ما دامت السلطة الأمنية موزعة بين أجهزة رسمية ومجموعات شبه عسكرية، لكلٍّ منها أجندته وولاؤه؟

إنّ إخراج القوات العسكرية من المدن ليس شعارًا إصلاحيًا، بل مسار حياة للدولة ذاتها. فالعاصمة ليست ساحة حرب، والجيش وُجد لحماية الحدود لا لإدارة الأسواق والمناطق السكنية. لا يمكن لمدن الخرطوم وبحري وأم درمان أن تتنفس هواء السلام وهي محاصرة بالدبابات والمركبات المسلحة. إنّ الأمن المدني لا يتحقق إلا حين يعود العسكر إلى ثكناتهم، وتُسلَّم مفاتيح الشوارع إلى شرطةٍ مهنيةٍ مدرَّبة على حفظ النظام لا على خوض المعارك.

كلّ تجربة مرّت بها البلاد منذ اندلاع الحروب تؤكد أن اختلاط الأدوار بين الجيش والشرطة والميليشيات هو أصل البلاء. فكلما تمدد الوجود العسكري في المدن، تقلصت سلطة الدولة الحقيقية، واتسع مجال الانتحال والفساد. ليس غريبًا إذًا أن تظهر هذه “المكاتب المزيفة”، فحين تغيب الدولة، تتكاثر النسخ المزورة منها.

إنّ استعادة الأمن تبدأ بإعادة تعريفه: أمنٌ للمواطن لا للسلطة، أمنٌ تُطبّقه مؤسسات تخضع للمساءلة لا لمراكز النفوذ. ولا إصلاح حقيقي دون حصر السلاح في يد الدولة وحدها، وتفكيك كل المظاهر المسلحة التي تعمل تحت أي مسمى خارج القانون.

لقد آن للسودان أن يختار بين دولتين: دولة تحكمها مؤسساتها، أو دولة تُدار بالمكاتب المزيفة والولاءات المزدوجة. فإما أن يُعاد للسلاح احترامه بوضعه في موضعه الشرعي، أو يظل الوطن أسيرًا لفوضى لا تعرف إلا لغة القوة. ومن لا يدرك خطر المكاتب المزيفة اليوم، سيجد غدًا أن الدولة نفسها أصبحت المكتب الأكبر الذي ينتحل صفة السيادة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات