سودان تمورو:
منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023، أخذت مسارات الصراع هناك تتجاوز الطابع الداخلي إلى ما هو أبعد، حيث باتت الساحة السودانية ميدانًا لتصفية حسابات إقليمية ودولية، أبرزها تلك التي ترتبط بالمياه والنفوذ الجيوسياسي في حوض النيل. ومع استمرار تمدد قوات “الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ونجاحها في السيطرة على أجزاء واسعة من دارفور، ثم الفاشر، بات واضحًا أن هذه القوة لا تتحرك بمعزل عن دعم خارجي كثيف، وأن لإسرائيل – التي تتقن فنون التحرك في الظلال – يدًا خفية في تغذية هذا المسار، بما يخدم استراتيجيتها التاريخية الرامية إلى خنق مصر مائيًا والسيطرة على مفاتيح نهر النيل.
السيطرة على مصادر المياه في المنطقة كانت – ولا تزال – ركيزة أساسية في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة العبرية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، وضعت تل أبيب ما أسمته “خطة السيطرة المائية الإقليمية”، التي سعت من خلالها للتحكم بمياه الأردن واليرموك في فلسطين وسوريا ولبنان، والتوسع لاحقًا نحو التفكير في مياه النيل. ووثّقت مصادر متعددة، من بينها وثائق صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية وأبحاث لمعهد التخطيط القومي في تل أبيب، طموحات إسرائيل في تحويل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء، كجزء من مشروع قديم عُرف باسم “قناة السلام” الذي طرحه شمعون بيريز في الثمانينيات. وعلى الرغم من أن هذا المشروع جُمّد رسميًا، فإن الفكر الإسرائيلي بشأن “الأمن المائي” لم يتغير، بل تطور باتجاه استخدام أدوات غير مباشرة لتطويق منابع النيل وضرب الدفاعات الجنوبية لمصر.
في هذا السياق، يُفهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بدول حوض النيل. فمنذ التسعينيات، كثّفت إسرائيل نشاطها في أوغندا وكينيا وإثيوبيا وإريتريا، تحت غطاء “المساعدات التقنية والزراعية”، لكنها في الواقع كانت تُنشئ شبكة نفوذ استخبارية واقتصادية عميقة. وبحسب تقارير استخبارية غربية وإفريقية، فإن خبراء ومهندسين إسرائيليين شاركوا في تقديم الدعم الفني لبناء سد النهضة في إثيوبيا، وهو ما اعتبرته القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي. ولم يكن ذلك سوى خطوة من خطة أوسع تهدف إلى نقل الصراع المائي من المنابع إلى قلب القارة، عبر السودان، الذي يمثل الممر الرئيسي للنيل نحو مصر.
ومع انهيار مؤسسات الدولة السودانية بعد سقوط نظام البشير، برزت إسرائيل كأحد اللاعبين الذين حاولوا استغلال الفوضى لفرض نفوذ جديد في المنطقة. فبعد اتفاق التطبيع الذي وُقّع بين الخرطوم وتل أبيب في 2020، بدأت إسرائيل في إرسال وفود استخبارية وتجارية إلى شرق السودان وغربه تحت غطاء التعاون الزراعي والأمني. غير أن التحول الحقيقي ظهر مع اندلاع الحرب الأهلية بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي. فقد تسربت تقارير من أجهزة استخبارات إقليمية تفيد بأن إسرائيل، عبر شركات أمنية خاصة وشبكات تهريب السلاح، تقدم دعمًا لوجستيًا وتكنولوجيًا لقوات الدعم السريع، خصوصًا في دارفور وغرب السودان، حيث تمر طرق تهريب الذهب والسلاح والمهاجرين نحو ليبيا وتشاد.
ويبدو أن الهدف الإسرائيلي من دعم قوات حميدتي يتجاوز مجرد زعزعة الجيش السوداني، إلى ما هو أعمق وأخطر: السيطرة على الممر المائي الاستراتيجي حيث يلتقي النيل الأزرق بالنيل الأبيض في العاصمة الخرطوم. هذا اللقاء هو الشريان الذي يغذي نهر النيل المتجه شمالًا إلى مصر. وإذا ما تمكنت قوات الدعم السريع من بسط سيطرتها الكاملة على الخرطوم أو على محيط التقاء النهرين، فإن ذلك سيمنح حلفاءها – ومنهم إسرائيل – ورقة ضغط هائلة على مصر، تمامًا كما تفعل إثيوبيا في ملف سد النهضة. ولا يُستبعد أن تكون تل أبيب تسعى لأن تكون لها موطئ قدم في هذا الموقع الاستراتيجي، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء محليين، لتصبح طرفًا مؤثرًا في توزيع مياه النيل مستقبلًا.
إن الدعم الإسرائيلي غير المعلن لقوات الدعم السريع ينسجم تمامًا مع سياستها التاريخية الرامية إلى إضعاف الدول العربية الكبرى وإبقاء محيطها في حالة تفكك دائم. فبعد أن نجحت إسرائيل، بمساعدة الغرب، في إخراج العراق من معادلة القوة عبر الاحتلال الأمريكي عام 2003، ثم في تفكيك سوريا وإغراقها في حرب أهلية منذ 2011، ها هي اليوم تركز على السودان بوصفه الخاصرة الجنوبية لمصر. وتدرك إسرائيل أن أي اضطراب في السودان ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري، سواء عبر تهديد تدفق مياه النيل أو عبر فتح الحدود الجنوبية أمام موجات اللاجئين والمسلحين والتهريب، بما يخلق ضغطًا مزدوجًا على القاهرة في وقت تواجه فيه تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة.
لقد حاولت إسرائيل طيلة العقود الماضية إقناع الغرب بأن تدخلها في إفريقيا هو بدافع “مساعدة التنمية”، لكنها في الواقع بنت هناك إمبراطورية نفوذ استخبارية معقدة. فهي تمتلك اليوم علاقات عسكرية متينة مع إثيوبيا، وقواعد لوجستية في إريتريا، واتفاقات أمنية مع أوغندا وكينيا ورواندا، بل وتمدّ جسورًا جديدة مع تشاد والنيجر. كل هذه الدول تشكل أطرافًا في منظومة حوض النيل أو محيطها، مما يمنح إسرائيل قدرة غير مسبوقة على التأثير في أمن المياه بالمنطقة. والسودان، بامتداده الجغرافي الهائل وتنوعه الإثني والقبلي، يمثل الحلقة الأضعف التي يمكن من خلالها لإسرائيل أن تفرض واقعًا جديدًا يخدم مصالحها المائية والأمنية.
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة دارفور، في أكتوبر 2025، اقتربت أكثر من مناطق التقاء النيلين، ما أثار قلقًا عميقًا في القاهرة والخرطوم على السواء. فالفاشر لا تبعد سوى مئات الكيلومترات عن الممرات المؤدية إلى النيل الأزرق، الذي ينبع من إثيوبيا، والنيل الأبيض القادم من بحيرة فيكتوريا عبر أوغندا وجنوب السودان. أي أن التقدم العسكري لقوات حميدتي بات يهدد فعليًا المسار الجنوبي للنهرين، خصوصًا إذا تزامن مع تفاهمات ميدانية مع جماعات مسلحة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، أو مع تدخل إسرائيلي استخباري يوجه دفة الصراع نحو الخرطوم.
الرهان الإسرائيلي على حميدتي لا يبدو مفاجئًا؛ فالرجل يقود ميليشيا تمتلك ثروات طائلة من الذهب وتتحكم بشبكات تهريب تمتد حتى ليبيا وأفريقيا الوسطى، ما يجعلها مصدر نفوذ قابل للتوظيف. وبالنسبة لإسرائيل، فإن تفتيت السودان إلى كيانات قبلية أو إقليمية – كما حدث عند انفصال جنوب السودان عام 2011 – يصب في مصلحتها، لأنه يمنع ظهور دولة قوية موحدة على حدود مصر الجنوبية. وفي حال تمكنت قوات الدعم السريع من إقامة كيان مستقل في دارفور، أو حتى السيطرة على الخرطوم، فسيصبح السودان عمليًا منقسمًا إلى دويلات متناحرة، وهو ما يعني عمليًا خنق مصر من الجنوب عبر “طوق مائي وأمني” تحرك خيوطه تل أبيب من خلف الستار.
كل المؤشرات توحي بأن الصراع في السودان يتجه إلى مزيد من التعقيد، وأن إسرائيل – سواء عبر قنواتها الرسمية أو عبر شركات أمنية خاصة – مستمرة في تغذية هذا الصراع بما يخدم مصالحها الكبرى. فهي تدرك أن السيطرة على منابع ومجاري النيل تعني السيطرة على مصر، وأن تحييد الجيش السوداني وتفكيك الدولة هناك هو الخطوة الأخيرة في إكمال طوق الحصار حول القاهرة، بعد أن جرى إنهاك الشمال العربي من العراق إلى ليبيا. وإذا لم تتحرك مصر والسودان ودول حوض النيل لوضع حدٍّ لهذا التمدد الخفي، فقد تجد المنطقة نفسها أمام واقع جديد تصبح فيه مياه النيل ورقة مساومة سياسية وأمنية في يد إسرائيل، تُستخدم للابتزاز والضغط، كما استُخدمت من قبل الطاقة والحدود.
إن الحرب الأهلية في السودان ليست مجرد صراع على السلطة بين البرهان وحميدتي، بل هي فصل جديد من حرب أوسع تُخاض على مستقبل النيل وأمن مصر القومي. ومن يراقب خيوطها يدرك أن اليد الإسرائيلية التي امتدت إلى منابع النهر تعمل بصبرٍ وهدوءٍ لتصل إلى مصبّه، في محاولة لإعادة رسم خرائط القوة في إفريقيا والعالم العربي على أسس جديدة، يكون فيها الماء – لا النفط – هو سلاح السيطرة القادم.
