سودان تمورو:
في وطنٍ يئن تحت وطأة الحرب تتقدم الفنانة السودانية نانسي عجاج كصوتٍ نادر من الضمير رافعة راية الإنسانية في وجه الدمار. حديثها لـ”الحدث” لم يكن مجرد تصريح عابر لفنانة تتألم من بعيد بل كان بياناً سياسياً أخلاقياً يتجاوز حدود الفن إلى عمق المأساة السودانية. لقد وضعت يدها على الجرح حين قالت بوضوح إن استمرار الحرب لا يخدم سوى السياسيين “تجار الحرب” فهذه الحرب ليست معركة شرف بل صفقة مصالح يدفع الشعب وحده ثمنها من دمه وكرامته ومستقبله.
ما قالته نانسي عجاج ليس مجرد رأي عاطفي بل هو تشريح دقيق لبنية الصراع الذي حول الوطن إلى ساحة يتقاسمها الطامعون. فبينما يعيش المواطن في الخراب والعوز يستثمر تجار الحرب في الدمار يتاجرون بالدماء كما يتاجر السماسرة بالذهب ويتبادلون الاتهامات في العلن بينما يتقاسمون الغنائم في الخفاء. كلماتها جاءت كصفعة على وجوه أولئك الذين يرفعون شعار الوطنية وهم يقتاتون على أنين الضحايا.
لكن عجاج لم تكتفِ بالنقد بل طرحت موقفاً عملياً وشجاعاً حين وقّعت على مذكرة موجهة إلى “الرباعية” للمطالبة بوقف الحرب مؤكدة أن “الحرب في بلادنا لن تنتهي بالسلاح”. موقفها هذا لا يعني الارتهان للخارج بل هو اعتراف بواقع مرير.. في غياب مبادرة وطنية صادقة وجامعة يصبح دعم أي جهد يسعى لوقف القتال واجباً أخلاقياً مهما كانت تحفظاتنا على الجهة التي تقوده. إنها دعوة للإنقاذ لا للتبعية فحين يعجز الداخل عن الفعل يصبح الخارج خيار الضرورة لا الترف.
في المقابل يواجه كل من يدعو للسلام في السودان هجوماً منظماً من أبواق الحرب الذين يرون في استمرارها مصدر قوتهم وبقائهم. هؤلاء هم الذين يشككون في وطنية من يطالب بوقف الدم وكأن حب الوطن يقاس بعدد الطلقات لا بعدد الأرواح التي نُنقذها. قالتها نانسي عجاج بوضوح وجرأة.. من يدعم خط السلام هو الوطني الحقيقي لأنه يشعر بما يشعر به المواطن البسيط في معسكرات النزوح وتحت وطأة الجوع والخوف.
من الفاشر إلى الخرطوم ومن الملاجئ إلى المنفى يمتد صوت نانسي عجاج كصرخة جمال في وجه القبح وكأنها تقول.. كفى موتاً باسم الوطن وكفى حرباً باسم الكرامة. إن الفن في زمن الحرب لا يصبح ترفاً بل مقاومة؛ والريشة قد تكون أصدق من الرصاصة حين يرسم الفنان طريق الحياة وسط الخراب.
اليوم يحتاج السودان إلى أصوات مثل صوت نانسي عجاج أكثر من حاجته إلى شعارات الجبهات. يحتاج إلى من يؤمن أن الوطن يُبنى بالمحبة لا بالمدافع وبالعدالة لا بالانتقام. فكل من يرفع راية السلام هو جندي في معركة الوعي وكل فنانٍ يقف ضد الحرب هو قائدٌ في جيش الحياة.
إن التاريخ سيحكم على الجميع.. بين من صنع الموت ومن دافع عن الحياة. وفي هذه المعركة سيبقى صوت الفن السوداني الذي تمثله نانسي عجاج علامة مضيئة في زمن الظلام ودليلاً على أن السودان رغم النزيف لا يزال قادراً على أن يغني للحياة.
