سودان تمورو:
تمرّ بلادنا، السودان، بواحدة من أكثر لحظاتها قسوةً وامتحاناً في تاريخها الحديث، لحظة تختبر فيها إرادة الحياة في وجه الموت، والعقل في مواجهة الجنون، والضمير في مقابل البندقية. البيان الذي أصدرته قوات الدعم السريع معلنةً قبولها لمقترح الهدنة الإنسانية الذي تقدّمت به الرباعية الدولية، لا يمكن اعتباره مجرد موقف سياسي عابر، بل هو خطوة بالغة الدلالة، وإشارة ضوء في نفق الحرب الطويل الذي أرهق الجميع وأحرق ما تبقى من تراب هذا الوطن المنهك.
لقد رحّب الناس، على اختلاف مواقعهم، بهذه الخطوة لأنها – مهما قيل فيها – تعبّر عن استعداد مبدئي لوقف نزيف الدماء وفتح الباب أمام هدنة إنسانية تضع حداً مؤقتاً للمأساة، وتتيح إدخال المساعدات، وتخفف عن المواطنين وطأة الجوع والرعب والمرض. إنها بادرة إنسانية وسياسية في آنٍ واحد، ولذا فهي تستحق التقدير والتعاطي معها بجدّية ومسؤولية.
الكرة الآن في ملعب القوات المسلحة، والأنظار تتجه إلى قيادتها وهي تقف على مفترق طرق خطير: فإما أن تحكم صوت العقل والحكمة، وتقدّم مصلحة الشعب على منطق البندقية، أو أن تستجيب لأصوات دعاة الحرب الذين لا يرون في استمرار القتال إلا وسيلة لحفظ نفوذهم ومكاسبهم، ولو على جثث الأبرياء. إنّ القرار اليوم ليس مجرد مسألة تكتيك عسكري، بل هو خيار وجودي بين أن نكون أمةً تسعى للحياة أو نستسلم لطاحونة الخراب التي لا تُبقي ولا تذر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحسم العسكري حلم بعيد المنال. فبعد أكثر من عامين ونصف من القتال المتواصل، لم يتحقق الحسم الموعود، بل تمددت الفوضى، وانهارت مؤسسات الدولة، وتحوّل السودان إلى مأساة مفتوحة على كل وجع. إن الاعتراف بهذه الحقيقة المؤلمة لا يعني الهزيمة، بل هو أول طريق العقل. الحروب التي تطول دون أفق سياسي تتحوّل حتماً إلى عبء على الجميع، ولا تخلّف وراءها سوى المقابر والأنقاض والأرواح المعذّبة.
إنّ الدعوة إلى الهدنة ليست استسلاماً كما يحاول البعض تصويرها، بل هي إعلان شجاعة، لأن السلام الحقيقي لا يصنعه المنتصرون في الميدان فحسب، بل يصنعه أولئك الذين يملكون شجاعة التراجع عن حافة الهاوية. الهدنة هي فعل مسؤولية وطنية، ونافذة أمل لشعبٍ أنهكه النزيف وتقطّعت به السبل. إنها اختبار حقيقي لمدى التزام القيادات بإنقاذ ما تبقى من الوطن، ولإثبات أن السودان أكبر من بندقية، وأعظم من أي مشروع سلطوي أو طموح شخصي.
ندرك جميعاً أن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وأن الهدنة لن تكون طريقاً مفروشاً بالورود، لكنها تظل المدخل الوحيد الممكن لعبور هذه المرحلة الحرجة. إن رفضها أو التلكؤ في قبولها يعني ببساطة الإصرار على استمرار معاناة الملايين الذين يعيشون في الخوف والجوع والتشرد. هؤلاء لا يهمّهم من ينتصر في النهاية، بقدر ما يهمهم أن تتوقف الحرب ليعودوا إلى بيوتهم، ويستعيدوا حياتهم المسلوبة.
أيها القادة في القوات المسلحة، إنّ التاريخ يسجّل هذه اللحظة بكل ما فيها. سيكتب من اختار أن يكون مع الحياة، ومن آثر الصمت أو الركون إلى حسابات القوة الزائلة. لن يُغفر لأحد أن يضيّع هذه الفرصة النادرة لوقف النزيف. فالشعب الذي يقف في طوابير النزوح، ويبحث عن لقمة أو دواء أو مأوى، ينتظر منكم قراراً يعيد له الأمل بأن قيادته لا تزال تملك قلباً نابضاً بالوطن.
الموافقة على الهدنة – مهما كانت التحفظات – ليست تنازلاً مهيناً، بل هي انتصار للرحمة على القسوة، وللضمير على الغرور. إنها دعوة إلى لحظة وعيٍ وطني تعلو فوق الجراح، لأن السودان لم يعد يحتمل المزيد من الموت. هذه الحرب، التي لم تُنتج سوى الدمار، يجب أن تتوقف. وأي تأجيل أو تبرير للاستمرار فيها هو خيانة للأمل وللشعب وللوطن.
لن يكتب التاريخ بطولات لمن يواصل القتل، بل سيحفظ أسماء الذين أوقفوا النزيف وأنقذوا ما يمكن إنقاذه من هذا البلد الجريح. إنّ المستقبل لا يُبنى بالرصاص، بل بالتسامح والإصلاح والعقلانية. ولعل هذه الهدنة، إن أُخذت بجدية، تكون الخطوة الأولى نحو سلام شامل يليق بتضحيات السودانيين وصبرهم الطويل.
إنّ السودان اليوم أمام اختبار مصيري، والخيارات محدودة: إمّا هدنة تفتح باب الأمل، أو حربٌ تفتح أبواب الجحيم. وبين الأمل والجحيم، تقف القيادة أمام امتحان التاريخ. فلتختر ما يليق بشعبٍ يستحق الحياة، لا الموت.
