سودان تمورو
مع مرور الايام تبدأ الحقائق فى التكشف والظهور ؛ ونقرا اخبارا هنا واخرى هناك ؛ تؤكد فى غالبها ان من ادعى مجابهة الاستكبار وحرب الاستعمار ليس الا اداة من ادواته ؛ يتم توظيفه فى كل مرحلة بحسب ما تقتضيه مصالح الكبار ؛ واخر ما يمكن تصوره ان يعمل ادعياء الحرية والاستقلال بما تتطلبه هذه العناوين .
الرئيس السورى الحالى احد زعماء الحرب فى العراق وسوريا ؛ الملطخة اياديه بدماء الابرياء ؛ وهو المطلوب لدى الغربيين ؛ وقد رصدت اميركا يوما ملايين الدولارات لمن يدلى بمعلومة عنه ؛ واذا به يحل ضيفا على ترامب فى البيت الابيض ؛ بعد ان كان قد التقاه قبل اشهر فى السعودية ؛ وقد رفعت عنه العقوبات الامريكية ؛ وغادره وصف الارهابيين الذى كانت اميركا تطلقه عليه ؛ ليتضح انها ليست جادة فى ما تفعل ؛ ولا تلتزم بمعايير محددة يمكن التحاكم اليها ؛ والا فما الذى تغير فى ابى محمد الجولانى الارهابى المطلوب دوليا واقليميا ؛ والمطارد عند ادعياء الحرية ؛ المفروضة عليه عقوباتهم ؛ ليصبح الرئيس السورى احمد الشرع ؛ ويزور باريس وواشنطون ؛ اليست كلها المعايير الغربية الغير منتظمة .؟ انها بوضوح لعبة المصالح لا الالتزام بالقيم والقانون ؛ وانى للغربيين التزاما بالقانون وهم خارقوه ومعاييرهم المزدوجة غالبة على تصرفاتهم وهى السمة البارزة لهم .
اسرائيل تحتل اجزاء من بلده ؛ وتقصف عاصمته ولا يراها عدوا ؛ ونتنياهو يتحرك كما يشاء وتدنس اقدامه ارض الجولان المحتل واحمد الشرع لايرى فى الامر مايوجب تحريك قواته لتدافع عن بلاده لكنه واركان حربه لايترددون فى الاعلان اكثر من مرة ان لاعداء لهم مع اسرائيل وانما العدو المشترك بينهم هو ايران وحزب الله ؛ ومع ذلك يطبل له بعض المخبولين .
البعض يقول ان الغرب يسعى احيانا الى تسليم السلطة للمتطرفين بهدف تدجينهم ؛ وان ما يحصل في سوريا الان لا يختلف عن هذه الرؤية لكن ياترى هل يمكننا القول ان الجولانى وجبهة النصرة وبالذات القيادات فى هذا التنظيم هل كانوا بعيدين عن الاتصال بالمخابرات الغربية اوعلى الاقل الرضوخ لها والعمل تحت امرتها؟
العديد من المحللين والمراقبين خرجوا باجتهادات تعطي أولوية الدور في عملية التغيير هذه إلى توافق إسرائيلي – تركي – أميركي على إسقاط النظام السابق ووصول مجموعة كانت تعدّ متطرفة وموضوعة على اللائحة الغربية للجماعات الإرهابية.
لكن ما يغفله المراقبون حتى الآن هو الدور البريطاني في عملية التغيير هذه، إذ تمكنت لندن من إبقاء دورها بعيداً من الأضواء. وقد يكون السبب الرئيسي في ذلك هو أن الدور البريطاني ربما لم يمرّ عبر القنوات الرسمية البريطانية، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات “أم أي 6″، بل حصل عبر شركات خاصة على رأسها شركة “انتر ميديات” التي أسسها في عام 2011 جوناثان باول، رئيس أركان إدارة رئيس الوزراء الأسبق طوني بلير.
لمعرفة الخلفية التي انطلقت منها شركة “انتر ميديات”، علينا أن نرجع إلى مؤسسها جوناثان باول الذي سبق وعمل رئيس أركان إدارة رئيس الوزراء الأسبق طوني بلير بين عامي 1997 و2007، والذي كان له الدور الأبرز في التوصل إلى اتفاق السلام الذي حلّ الصراع في إيرلندا عام 1998.
وبعدما انتهت ولاية بلير الثانية في عام 1997، قام جوناثان باول بالعمل على إطلاق مؤسسة غير حكومية تتخصص في حلّ النزاعات عبر التواصل سراً مع السياسيين من مستوى رفيع بذريعة العمل على حلّ النزاعات، وأطلق مؤسسته رسمياً عام 2011 في الوقت الذي كان “الربيع العربي” قد انطلق على غاربه في عدد من الدول العربية، ومن ضمنها سوريا.
استند المبدأ الذي اعتمد عليه باول في مقاربته بالتواصل مع “الإرهابيين” عوض مقاطعتهم، بل ومساعدتهم في الوصول إلى السلطة كمقدمة لاحتوائهم. وفي كتابه بعنوان “الحوار مع الإرهابيين: كيف يمكن إنهاء الصراعات المسلحة”، اعتبر باول أن على الحكومات التواصل سراً مع اللاعبين من غير الدول الذين يمارسون العنف وأيضاً الإرهابيين من أجل وضع حدّ للصراع المسلح. ومنذ إطلاقها، عملت “انتر ميديات” على حلّ النزاع بين الحكومة الكولومبية وقوات فارك اليسارية في كولومبيا، وبين الحكومة وجبهة “رينامو” في موزمبيق، وبين الحكومة الإسبانية ومنظمة “ايتا” في إقليم الباسك في إسبانيا.
وتقوم استراتيجية “انتر ميديات” على التواصل مع الجماعات الإرهابية، والعمل على مرحلة انتقالية يتم فيها التخلي عن النزاع المسلح والبدء بمفاوضات سياسية، والقيام بإعادة هيكلة لمؤسسات الدولة بغية دمج الإرهابيين فيها وفقاً لعناصر أساسية أهمها نزع السلاح والدمج والمشاركة في السلطة، وفي الوقت نفسه فرض الرقابة الدولية على عمل المؤسسات الحكومية في الدولة المعنية. وقد يكون المثل الأوضح في ذلك هو النموذج الذي اعتمد عليه باول في مقاربته وهو إيرلندا الشمالية حين رعى في عام 1998 الحوار مع الجيش الجمهوري الإيرلندي بناءً على المبادئ التي ذكرناها.
وفي ما يتعلق بسوريا، تجدر الإشارة إلى أن إطلاق مؤسسة “انتر ميديات” تزامن مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا في عام 2011. والمفارقة تكمن في أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عيّن جوناثان باول مستشاراً للأمن القومي البريطاني في نوفمبر 2024، أي قبل أسابيع قليلة من إسقاط النظام الذي كان يرأسه الرئيس بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، وهذا يؤشر إلى احتمال كبير في أن يكون لجوناثان باول دور في ما حصل، خصوصاً أنه يتماهى مع المقاربة التي يعتمدها لحلّ النزاعات والقائمة على تسليم السلطة إلى “الإرهابيين” بغية احتوائهم تمهيداً لتدجينهم أو التخلص منهم.
الجدير ذكره أن بيانات ومؤشرات عدة صدرت عن دوائر غربية وتركية تفيد بأن شركة “انتر ميديات” لعبت دوراً رئيسياً في ما حصل في سوريا، خصوصاً لجهة العمل على إعادة صياغة شخصية أبو محمد الجولاني لتغيير صورته من “إرهابي جهادي” إلى رجل دولة يترأس السلطة في دمشق.
وقد صدرت مقالة في مجلة “سيريان اوبزرفر” تفيد بأن شركة “انتر ميديات”قامت بتدريب الشرع، كما أنها أرسلت فريقاً يرابط حالياً في قصر الشعب في سوريا لتقديم النصح والمشورة يومياً للشرع وأركان فريق حكمه. كذلك تحدثت مجلة “يورتسيرفير” الناطقة بالتركية عن تلقي الشرع المشورة من المؤسسة البريطانية.
إضافة إلى ذلك، أشارت محاضر البرلمان الأوروبي إلى قيام بريطانيا بالاستعانة بـ”قنوات سرية” على رأسها مؤسسة “انتر ميديات” للتواصل مع “هيئة تحرير الشام” ومساعدتها على الوصول إلى سدة الحكم في دمشق. حتى إن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد تحدث عن قيام مؤسسة بريطانية لم يسمها بتدريب الشرع على التحوّل من “إرهابي إلى سياسي.”
ويشير سياق الأحداث في سوريا إلى تطابق كبير بين استراتيجيات المؤسسة البريطانية وحالة “هيئة تحرير الشام” في الوصول إلى السلطة. ففي تطبيق لمبدأ إعادة هيكلة السلطة الذي تنادي به “انتر ميديات”، قام أحمد الشرع في 29 يناير بإعلان نفسه رئيساً لسوريا للمرحلة الانتقالية مرفقاً ذلك بقراره بحل حزب البعث الحاكم والأجهزة الأمنية كافة، إضافة إلى دمج الفصائل المسلحة كافة في مؤسسات الدولة.
بعد ذلك، أطلق الشرع في فبراير 2025 ما سمّاه بـ”الحوار الوطني” وتشكيل حكومة من 23 وزيراً تضم في صفوفها ممثلين عن الطوائف العلوية والدرزية والمسيحية والكردية، إضافة إلى السنة. كذلك، أعلن أن المرحلة الانتقالية في سوريا ستدوم نحو خمسة أعوام سيقوم خلالها بإعادة هيكلة مؤسسات السلطة بشكل جذري بما يفكك كل أركان الدولة السورية السابقة.
تجدر الإشارة إلى أن النموذج الذي تقدمه المؤسسة البريطانية والذي يقوم الشرع بتنفيذه حرفياً يصطدم بأرض الواقع. فالعملية الانتقالية وفقاً للصيغة البريطانية يتم تنفيذها في ميدان بالغ التعقيد تتصادم فيه الجماعات المسلحة المتشعبة الولاءات والهويات مع المجموعات الطائفية والاثنية التي يتشكل منها المجتمع السوري، ويفاقمها التنافس على النفوذ بين القوى الإقليمية وعلى رأسها الكيان الصهيوني وتركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر.
وقد تجلى ذلك في المجازر التي تحصل ضد العلويين في الساحل، والتي حصلت ضد الدروز في جبل العرب، وفي الصدامات بين الجماعات المسلحة التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” من جهة و”قوات سوريا الديمقراطية” بقيادة الكرد في شمال شرق سوريا.
بناءً على ما تقدم، يمكن القول بثقة كبيرة بأن ما يحصل في سوريا يشكل تطبيقاً للنموذج الذي تنادي به “انتر ميديات” بذريعة حل النزاعات والذي يقوم على تسليم السلطة للمتطرفين بغية تدجينهم. فنموذج “التواصل، والدمج، والمرحلة الانتقالية” يتوافق مع ما يمثله ويقوم به أحمد الشرع في سوريا.
فوفقاً لنموذج المؤسسة البريطانية، نجح الشرع، وهو “إرهابي سابق”، في الوصول إلى السلطة “بدعم خارجي” وفي إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بغية دمج المسلحين فيها لهدف “تثبيت الاستقرار” في سوريا، وهذا يثبت أن بريطانيا لعبت عبر مستشارها للأمن القومي جوناثان باول دوراً كبيراً إن لم يكن الأبرز في الإطاحة ببشار الأسد وإيصال “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة.
