سودان تمورو
لم تكن حادثة ود مدني مجرد احتكاك عابر بين جنود من الجيش وفراد من قوات درع السودان أمام بوابة مستشفى، بل كانت لحظة مكثّفة تختصر أعمق أزمات المرحلة: تعدد السلاح، تضارب السلطات، وغياب المرجعية الموحدة التي تحفظ للدولة هيبتها وللمواطن أمنه. لقد بدأ المشهد بمبادرة إنسانية نبيلة، وتحوّل خلال دقائق إلى مواجهة مكتومة كان يمكن أن تفتح أبواباً لا يريد أي سوداني طرقها مرة أخرى بعد ما عاشته البلاد في السنتين الماضيتين.
تسلسل الأحداث — من مطالبة الجندي العسكري للضابط بإعطاء بطاقته باليد، إلى رفض الأخير، إلى التصاعد اللفظي، ثم تدخل الشرطة العسكرية واعتقال عناصر الدرع بما رافقه من عبارات جارحة — يكشف أن المسألة لم تكن بين أفراد، بل بين هويتين عسكريتين تتقاسمان الساحة دون أن تجمعهما عقيدة موحدة أو منظومة انضباط راسخة. كلمة “يا مليشيا” التي قيلت في لحظة توتر لم تكن شتيمة عابرة، بل كانت إعلاناً غير مباشر عن الانقسام النفسي والمؤسسي بين قوة تعتبر نفسها “الشرعية النظامية” وأخرى ترى أنها قدمت الدم والروح دفاعاً عن الدولة ويجب أن تُعامل باحترام مساوٍ.
وحين تحركت عربات درع السودان تجاه قيادة الفرقة الأولى للمطالبة بإطلاق سراح عناصرها، ظهر جلياً أن البلاد تعيش حالة هشاشة قصوى، وأن شرارة صغيرة كان يمكن أن تشعل ناراً كبيرة. لم تُطلق رصاصة واحدة، وهذا مما يُحمد للعقلاء في اللحظات الأخيرة، لكن مجرد اقتراب قوات مسلحة من مؤسسة عسكرية أخرى للمطالبة بحق بالقوة هو في ذاته جرس إنذار مرتفع الصوت. لقد قال المشهد بوضوح: السلاح كثير، والشكوك أكثر، ووضع بهذا الهشاشة لا ينتظر كثيراً قبل أن ينفجر.
إن ما جرى في ود مدني لا يمكن فصله عن أحداث مشابهة وقعت في دنقلا بين اللواء 75 ومجموعة أولاد قمري. ولا يمكن أيضاً فصله عن التاريخ القريب الذي نعرفه جيداً. فالدعم السريع الذي أصبح لاحقاً خطراً وجودياً على الدولة، بدأ كبذرة مشابهة: قوة مساندة، ثم قوة قائمة بذاتها، ثم قوة موازية، ثم قوة متغوّلة. ومن هنا يأتي الخوف: ليس لأن قوات الدرع أو غيرها تنوي الشر بالدولة، بل لأن نمط التكوين ذاته — قوات مسلحة خارج المؤسسة الرسمية الكاملة، داخل المدن، بعقائد متباينة، وولاءات متعددة — يُنتج الخطر نفسه حتى لو تغيّر اللاعبون.
إن السلاح حين يتواجد داخل المدن، وحين تُترك مهام الأمن الداخلي لقوى عسكرية مختلفة، فإن الاحتكاك يصبح أمراً حتمياً لا يحتاج سوى إلى كلمة قاسية أو إجراء شكلي ليتحوّل إلى صراع. مكان الجيوش هو الحدود والثغور، ومكان الشرطة هو المدن وفض النزاعات المدنية. وكلما اختلطت الأدوار، اختلطت السلطات، وكلما اختلطت السلطات، دفع المواطن الثمن.
إن الدرس الذي يجب أن يُقرأ جيداً من حادثة ود مدني هو أن الدولة لا تُبنى بالتعدد العسكري، ولا يمكن احتواء الأزمات بتأجيل قرارات الدمج أو ترك المليشيات في وضع “نصف نظامي ـ نصف مستقل”. فالقوات المساندة التي شاركت إلى جانب الجيش في معارك مفصلية يجب أن تُحترم وتُقدّر، كما يجب أن تُدمج وتُنظم داخل المؤسسة العسكرية الأم. التأجيل في هذا الملف لا يعني سوى فتح الباب أمام تضخم القوى البديلة، وتكرار الأخطاء التي دفع السودان ثمنها من دمائه ومدنه ومؤسساته.
إن ما يواجهه السودان اليوم ليس صراعاً بين قوتين، بل صراع بين رؤيتين: دولة بجيش واحد، أو دولة بأذرع مسلحة متوازية. وإذا لم تحسم القيادة السياسية والعسكرية هذا الخيار اليوم، فقد تفرضه الظروف غداً بطريقة لا يريدها أحد.
لقد نجت ود مدني من كارثة محتملة، لكن النجاة مرة لا تعني النجاة دائماً. والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يعطي دروسه مرتين. فإما أن تتوحد المؤسسة العسكرية وتُدمج كل القوى تحت رايتها، وإما أن يجد السودان نفسه أمام ولادة “دعم سريع” جديد، وربما أكثر خطورة، لأن الجراح هذه المرة لا تزال مفتوحة، والبلاد لا تحتمل جروحاً أخرى.
إن الطريق واضح، والتحذير واضح، واللحظة حرجة. وما جرى اليوم ليس نهاية حدث، بل بداية سؤال كبير: أي سودان نريد أن نعيش فيه غداً؟
