الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارحين تتحول الحرب إلى ساحة صراع بين حلفاء واشنطن!

حين تتحول الحرب إلى ساحة صراع بين حلفاء واشنطن!

خاص سودان تمورو

في خضم الضجيج السياسي الذي يلفّ الأزمة السودانية، يبرز تصريح نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار، كصرخة واقعية وسط بحر من الوهم. فالرجل الذي خبر دهاليز السياسة الدولية، وخَبِرَ علاقات واشنطن، وعاش تجربة الحركة الشعبية وهي تتلقى الدعم من القوى الغربية، لم يتحدث بانفعال، ولم يطلق كلماتٍ للاستهلاك الإعلامي، بل قدّم خلاصة تجربة ممتدة، وفهماً عميقاً لطبيعة القوى التي تتلاعب بخيوط المشهد السوداني. حين يحذّر عقار من التعويل على تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن السودان، فهو لا يقدّم نصيحة سياسية مجردة؛ بل يوجّه السودانيين نحو فهم الحقيقة الأكثر مرارة: إن مواقف واشنطن لا تُبنى على المبادئ، بل على المصالح، ولا تتحرك استجابةً لآلام الشعوب، بل لصوت الحسابات الاستراتيجية.

إن إشارة عقار إلى أن ترامب ربما قال ما قاله “ترضيةً للزائر”، أو “استجابة للحظة سياسية عابرة”، تكشف طبيعة السياسة الأمريكية التي تتبدل بتبدل الرياح. فليس من المنطقي تصور أن موقفاً أمريكياً يُحدَّد بناءً على توضيحات يقدمها حليف إقليمي، لولا أن الولايات المتحدة نفسها لا ترى في السودان قضية مركزية تستدعي بناء موقف استراتيجي متماسك. وإن كانت السعودية قد وضّحت لترامب ما يخصها من الصراع، فهي فعلت ذلك لتعزيز رؤيتها الإقليمية، لا لوضع حلّ للسودان. وإن كانت واشنطن قد استمعت، فهي استمعت لأنها تتعامل مع الرياض كحليف ثقيل، لا لأن السودان يحتل موقعاً جوهرياً في أجندتها.

الأزمة السودانية، حين تُقرأ بعين فاحصة، تكشف حقيقة صادمة: إنها ليست مجرد صراع داخلي بين الجيش والدعم السريع، بل هي ساحة مفتوحة لتنافس حاد بين حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم. فمصر والسعودية تقفان صراحة مع الجيش السوداني، بينما تدعم الإمارات قوات الدعم السريع عسكرياً وسياسياً. جميعهم حلفاء واشنطن، وجميعهم يتحركون وفق مصالحهم، لا وفق رؤية أمريكية موحدة. وهذا التناقض العميق يخلق حالة من الشلل في السياسة الأمريكية، التي لا تستطيع الانحياز بقوة لطرف دون أن تغضب طرفاً آخر، ولا تريد أن تتحول أزمة السودان إلى نقطة اشتباك بين حلفائها في المنطقة. ومن الطبيعي، في مثل هذا المشهد المربك، أن تتعامل واشنطن بحذر، وأن تكتفي بإدارة الأزمة من الخلف دون الدخول في مواجهة أو لعب دور حاسم.

ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة لا ترى في طرفي الصراع السوداني عدواً لها. فالدعم السريع، رغم خلفياته الوحشية، ليس حركة ذات أيديولوجية مناهضة للغرب، وهو مرتبط بالإمارات، الحليف الوثيق لواشنطن. والجيش السوداني أعلن عبر البرهان أكثر من مرة اصطفافه مع المعسكر الأمريكي في المنطقة. وحتى الإسلاميون الذين تخشى واشنطن تمددهم، فإنها تتعامل معهم براغماتياً، وتراهم قابلين للاحتواء أكثر من كونهم خطراً أيديولوجياً صارخاً.

بناءً على ذلك، فإن القاعدة الذهبية في السياسة الأمريكية تبقى ثابتة: لن تتخذ واشنطن أي موقف حاسم في السودان ما لم يتقاطع مباشرة مع مصالحها الحيوية. فإذا كان استمرار الحرب يخدم مصالحها أو مصالح حلفائها الأساسيين، فلن تبذل جهداً لإيقافها. وإذا كان وقفها يخدم تلك المصالح، ستضغط بقوة لتحقيقه. فالأمم لا تتحرك بالعواطف، والدول الكبرى لا تبني سياساتها على آمال الشعوب، بل على مصالحها وحدها.

إن الحقيقة التي يجب أن يستوعبها السودانيون هي أن انتظار الحل من الخارج شكل من أشكال الهروب من المسؤولية. فمنذ سنوات والسودان يتحول إلى ساحة تُدار فيها الصراعات الإقليمية والدولية، بينما يغيب الحل الوطني الجامع. وحتى الوساطة التي كانت تدفع نحو الاتفاق الإطاري، والتي شاركت فيها واشنطن، كانت تدرك تماماً هشاشة هذا المسار وأنه غير قابل للتطبيق في ظل تهديدات أطراف مؤثرة بعرقلته، ومع ذلك مضت في تشجيع قوى الحرية والتغيير عليه، لأنها كانت تبحث عن تسوية تخدم مصالحها، لا مصلحة السودان.

لقد آن الأوان للسودانيين كي يستعيدوا زمام المبادرة، وأن يدركوا أن الخارج لن يحمل لهم الحلول على طبق من ذهب. فالسودان لن يخرج من أزمته إلا إذا اختار أبناؤه طريق الحوار الداخلي، وبناء رؤية وطنية تستوعب الجميع، وتجمع كل أطياف المجتمع، وتُخرج البلاد من دائرة الاستقطاب الإقليمي والدولي. إن الحل سوداني أو لا يكون. وإن مستقبل السودان، بكل ما يحمله من ألم وأمل، لن يُصنع في واشنطن أو الرياض أو أبوظبي أو القاهرة، بل سيُصنع على ضفاف النيل، بين أبناء الوطن الذين دفعوا الثمن الأكبر.

هذه هي الحقيقة وهذه هي الرسالة التي يجب أن يفهمها كل سوداني: لا تنتظروا من الآخرين ما لا يريدون تقديمه لكم. فالسودان، إن لم تنقذه إرادة أهله، فلن ينقذه أحد.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات