الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارلماذا أصبحت الفيدرالية ضرورة وجودية للحفاظ على وحدة البلاد؟

لماذا أصبحت الفيدرالية ضرورة وجودية للحفاظ على وحدة البلاد؟

خاص سودان تمورو

يكشف التاريخ العميق للسودان عن حقيقة تكاد تكون القانون الأول لهذه الجغرافيا الشاسعة: أن السلطة لم تستقر فيه يومًا في يد مركز واحد، وأن طبيعة مجتمعه وثقافته وتكوينه العرقي والديني كانت عبر القرون أقرب إلى التعددية الواسعة منها إلى المركزية القابضة. فمنذ الممالك القديمة، التي بسطت نفوذها من الشلال الأول حتى أعماق الحبشة، مرورًا بمملكتي النوبة والبجة، وصولًا إلى سنار ودارفور والمساليت والمشيخات والسلطنات المنتشرة في الجنوب وجبال النوبة، ظل السودان فضاءً سياسياً مركباً، تتجاور فيه مراكز السلطة وتتعاقب دون أن تُلغِي إحداها الأخرى. كان كل كيان يحكم ذاته بقوانينه ونظمه، في تفاعل مستمر مع محيطه الإقليمي، مما جعل اللامركزية جزءًا من الذاكرة السياسية، لا مجرد خيار إداري يُطلَب عند الأزمات.

لقد عرفت هذه الممالك نماذج حكم متباينة لكنها تشترك في جوهر واحد: عدم الخضوع لسلطة مركزية عليا تُعيد تشكيلها وفق تصور واحد. فمملكة «نبتة» كانت كياناً مستقلاً له لغته وعقائده ونظمه الاقتصادية. ومملكة النوبة المسيحية ازدهرت لقرون طويلة، بينما احتفظت البجة بالوثنية حتى اعتناق الإسلام بعد الفتح. وعندما قامت مملكة سنار واتحد العرب والفونج، لم تكن الدولة مركزاً واحداً بقدر ما كانت شبكة من ولاءات ومناطق تدار ذاتياً ضمن اتحاد سياسي واسع. والأمر ذاته ينطبق على مملكة دارفور التي شكّلت واحدة من أكبر الدول في الإقليم، وعلى مملكة المساليت التي حافظت على كيانيتها حتى انضمامها للسودان في 1902. وفي الجنوب وجبال النوبة، استمرت نظم الحكم التقليدية والسلطنات المتنوعة بوصفها وحدات حقيقية للسلطة.

هذا التاريخ التعددي يكشف عن قاعدة راسخة: إن السودانيين لم يُبنوا تاريخياً على نموذج الدولة المركزية، بل على نظم موزعة ومتوازية للسلطة. ولذلك كانت المركزية الحديثة التي فرضتها الدولة الوطنية بعد 1956 نموذجاً غريباً على البنية الاجتماعية والسياسية، ولا يمكن لمثل هذا النموذج القسري أن ينجح في بلد يشكّل أحد أكثر البلدان تنوعاً في العالم. ومع ذلك، أصرّت الدولة الحديثة على تقليد النموذج الأوروبي للدولة–الأمة، الذي يقوم على مركز واحد وقانون واحد وإدارة واحدة، متجاهلة البنية التاريخية، ومعتقدة أن القوة وحدها قادرة على صهر الأطراف في بوتقة العاصمة.

كانت النتيجة هي المأساة التي عاشها السودان طوال سبعة عقود. فكل محاولة لفرض المركزية أنتجت موجة جديدة من التهميش والصراع. قانون الحكم المحلي 1971 ألغى الإدارة الأهلية، فتصاعدت النزاعات. اتفاقية السلام الشامل 2005 حاولت إدخال اللامركزية لكنها بقيت منقوصة ومكبّلة بسلطة المركز. الولايات التي أنشأها دستور 1998، وعددها 26، لم تكن وحدات فدرالية حقيقية، بل إدارات تنتظر تمويلاً لا يأتي، ومؤسسات مشلولة يسيطر عليها الوالي المعين من الخرطوم. بل إن ولايات بأكملها –مثل غرب كردفان والنيل الأبيض– انهارت فيها الخدمات الأساسية وفشلت فيها التنمية رغم الصناديق والآليات التي صُممت لدعمها.

لقد فشلت التجربة الفيدرالية في السودان لأنها لم تكن فيدرالية أصلاً، بل واجهة إدارية لسلطة مركزية متحكمة. غابت الديمقراطية، غابت استقلالية الحكم المحلي، وتضخمت البيروقراطية، وتعددت القوانين المتعارضة، فضاعت المسؤوليات وتلاشت المحاسبة. ومع سيطرة الولاة على المحليات وغياب الموارد وغياب التخطيط، أصبح الحكم المحلي عبئاً إضافياً على المواطن بدلاً من أن يكون أداة لخدمته.

ثم جاءت الحرب الحالية لتكشف كل شيء دفعة واحدة. فقد انهار المبنى المركزي الهش، وظهرت للسطح ذاكرة الأقاليم الغاضبة، وعادت أصوات الأطراف التي طالما شعرت أن الدولة لا تمثلها، وأن المركز يعيش في وطن غير ذاك الذي تعيشه هي. تلاشت هيبة الدولة المركزية، وبات السودان مهدداً في وحدته وإقليمه، لا بسبب الفيدرالية، بل بسبب غيابها، وبسبب تجاهل التنوع ومحاولة صهره بالقوة.

في ضوء هذا كله، لم يعد الحديث عن الفيدرالية خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية لبقاء السودان دولة واحدة. إن الفيدرالية ليست تفتيتاً للوطن، بل إعادة تشكيل عادلة للعلاقة بين المركز والأقاليم، بحيث يحتفظ المركز بشؤون السيادة الكبرى –الدفاع، السياسة الخارجية، العملة، والمحكمة الدستورية– بينما تتولى الأقاليم إدارة شؤونها الحيوية من تعليم وصحة وزراعة وأمن داخلي وحوكمة محلية، عبر برلمانات إقليمية منتخبة وحكومات مسؤولة أمام شعوبها. هذا التقسيم يعيد السلطة إلى المواطن، ويقلل مركزية القرار، ويقرب الخدمة من الناس.

أما توزيع الثروة، فيقوم على مبدأ “الموارد لمناطقها أولاً”، مع نسبة مركزية تذهب للخزينة الاتحادية، وصندوق للتضامن الإقليمي بين الأقاليم، بما يضمن العدالة ويعالج الخلل التاريخي العميق.

إن إدارة التنوع الديني والثقافي والعرقي في السودان لا تتحقق إلا بمنح كل إقليم القدرة على صوغ سياساته المحلية وفق واقعه الاجتماعي، دون تهديد لوحدة الدولة.

إن الفيدرالية ليست وصفة لنظام الحكم فحسب، بل هي إعادة صياغة للعقد الاجتماعي، تعترف بالتنوع لا بوصفه تهديداً، بل بوصفه أساساً لوحدة مستدامة. إنها ليست تقسيماً للبلاد، بل إنقاذ لها. وهي ليست استجابة للحرب، بل استجابة للتاريخ. فالسودان، الذي كان دائماً مجموعة ممالك وكيانات مستقلة تلتقي تحت مظلة جغرافية واحدة، لا يمكن أن يُدار إلا بنظام ينسجم مع روحه الأصلية. الفيدرالية هي الشكل الحديث لتلك الروح.

إن مستقبل السودان لن يُبنى من مركزٍ يتجاهل الأطراف، بل من أقاليم تتعاون طوعاً في إطار اتحاد واحد يضمن للجميع الكرامة والعدالة والمشاركة. وحدة السودان الحقيقية لن تصنعها المركزية القسرية، بل الفيدرالية العادلة. هذا هو الدرس الأكبر من تاريخ الممالك وذاكرة الجغرافيا، وهذا ما تفرضه وقائع الحاضر وإكراهاته، وما يجب أن يشكل ملامح الدولة السودانية القادمة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات