الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالمعلمون… وعيٌ يَفضح العبث: لا خداع في قضية المناهج ولا تمرير لبضاعة...

المعلمون… وعيٌ يَفضح العبث: لا خداع في قضية المناهج ولا تمرير لبضاعة بائرة بقلم حسن عبد الرضي الشيخ

سودان تمورو:

في خضمّ الحرب التي مزقت السودان، وفي ظلّ انهيار الدولة ومؤسساتها، يخرج البعض—في حكومة بورتسودان—مدّعين الحكمة والخبرة، ليقرروا أنّ اللحظة مناسبة لـ تغيير المناهج الدراسية.
هذا وحده كافٍ ليُفهمنا أن هؤلاء لا يدركون شيئاً عن حقيقة التعليم، ولا عن حال تلاميذ عاشوا أهوالاً ستبقى آثارها في ذاكرتهم لسنوات طويلة.

لكن ما لا يدركونه أكثر هو أنّ المعلمين في السودان ليسوا أطفالاً يمكن جرّهم خلف أي قرار سريع أو لجنة متعجلة.
المعلمون—بتجربتهم الطويلة وبوعيهم الناضج—واعون تماماً لقضية المناهج، ولهم من الخبرة المتراكمة ما يجعلهم أحصن من أن تُمرّر عليهم مناهج معادة أو أفكار مرتجلة.

لقد ظلّ المعلمون، منذ اندلاع هذه الحرب، يرفعون صوتهم ويحذرون:
لا يمكن بناء مناهج جديدة قبل أن تتوقف الحرب، وقبل أن نفهم آثارها النفسية والتعليمية على التلاميذ.

كيف للجنة تدّعي المعرفة أن تقرر تغيير المناهج في بلد ما تزال جراحه تنزف؟
وكيف يتجاهل القائمون على التعليم الحقائق الماثلة أمام أعينهم، والمدارس تفتح وكأن شيئاً لم يحدث؟
مع أن معلمينا، بفطرتهم السليمة، يدركون خطورة توقف العملية التعليمية.

إحدى الزميلات، وهي من المعلمات الواعيات، نقلت كلمات عميقة وعلمية لطبيب النفس الإكلينيكي د. سامي عوض يس محمد—كلمات تستحق أن تُكتب بماء الذهب، وأن تُعلّق في مكاتب لجان المناهج حتى يدركوا حجم العبث الذي يمارسونه.
تلك النقاط ليست مجرد رأي مهني، بل تشخيص شامل لواقع التلميذ السوداني اليوم:

أولاً: التأثيرات المعرفية — تلاميذ فقدوا القدرة على التركيز في عالم مليء بالخوف

يؤكد د. سامي أن الحرب خلقت حالة يقظة عالية وخوف دائم أدت إلى:
ضعف تركيز مزمن

تراجع الذاكرة قصيرة المدى

بطء في معالجة المعلومات

صعوبة في التخطيط والإنجاز

فكيف—بالله—يمكن لمناهج ما قبل الحرب أن تستوعب طفلاً يعود من تجربة نزوح أو قصف أو موت قريب؟

ثانياً: التأثيرات السلوكية — فصول مليئة بالقلق والانفعال
يتحدث الطبيب عن:
خوف دائم

انسحاب اجتماعي

انفعالات مفاجئة

اضطراب النوم

هذا يعني أن المدرسة تحتاج معالجة نفسية قبل أن تحتاج منهجاً جديداً.

ثالثاً: التأثيرات الأكاديمية — كيف يتم التحصيل تحت الأنقاض؟

التلاميذ اليوم يواجهون:

انعدام الدافعية

ضعف القراءة والكتابة

تراجع مهارات الرياضيات

غياب متكرر

هؤلاء يحتاجون منهجاً مخففاً، ووقتاً أطول للتعافي، ومعلمين مدعومين، ومدارس آمنة.

رابعاً: مؤشرات يجب على المعلمين الانتباه لها

منها:

شرود ذهني

تغير مفاجئ في الدرجات

حركة زائدة أو جمود

هذه ليست ضعفاً أكاديمياً، بل علامات جرح نفسي يحتاج للالتئام.

خامساً: ما الذي يساعد التلاميذ فعلاً؟

يقدّم الطبيب قائمة دقيقة بما يحتاجه الطفل:

بيئة صفية آمنة

دعم نفسي واجتماعي

دروس مقسمة ومبسطة

أنشطة فنية وحركية

مشاركة الأسرة

هذه النقاط وحدها تكشف جهل اللجنة التي تُصرّ على تغيير المناهج الآن، بينما الخبير النفسي يقول بوضوح:
أوقفوا الضجيج… دعوا الأطفال يلتقطون أنفاسهم أولاً.

والعجيب أن المعلمين يعرفون… لكن الدولة تتجاهل.
المعلمون هم أول من سيدخل الفصل ويواجه الطفل الذي:

شرد ذهنه

توقف نموه الاجتماعي

انخفض تحصيله

وسهر ليالي من الخوف

فكيف يُستغفل هؤلاء؟
وكيف يُمرر عليهم أي «مقرر جاهز» صُنع في مكاتب بورتسودان بعيداً عن واقع الحرب؟

المعلمون يعرفون، بإحساسهم وخبرتهم، أن المناهج القديمة نفسها لم تعد مناسبة، لكنهم يعرفون أيضاً أن البديل يجب أن يُبنى بعد الحرب، لا أثناءها.

يعرفون أن التلميذ الذي خرج من الخندق لا يمكن أن تضع فوق رأسه كتباً ضخمة، ولا أن تحاسبه على «ضعف التحصيل» وكأن شيئاً لم يحدث.

نقول للجنة المناهج:

عليكم بشيء من الحكمة.
كفى التجريب.
كفى العناد.
كفى التعامل مع التعليم كجثة يمكن تقطيعها في غرف البيروقراطية.

هذه الحرب غيّرت كل شيء:
غيّرت الطفل، المعلم، الأسرة، المجتمع.
والمناهج—شئنا أم أبينا—جزء من هذا التغيير.

لكن التغيير الحقيقي لا يبدأ قبل وقف إطلاق النار، ولا قبل معالجة جراح التلاميذ النفسية، ولا قبل بناء بيئة مدرسية آمنة ومستقرة.

الخلاصة:

المعلمون ليسوا ضد تطوير المناهج.
المعلمون أكثر فئات المجتمع وعياً بالحاجة إلى تغيير حقيقي.

لكنهم يعرفون أن:

التغيير يجب أن يكون علمياً لا سياسياً

التوقيت يجب أن يكون بعد التعافي لا أثناء النزيف

المناهج الجديدة يجب أن تعالج آثار الحرب لا أن تتجاهلها

وإن كان في حلق اللجنة ما يمرّ ولا يُبلَع، فهو هذه الحقيقة:

لن يمرّ علينا منهج مصطنع، ولن ينجح أحد في خداعنا، لأننا ندرس في العيون التي رأت الحرب، ونعرف كيف يفكر تلاميذ هذه اللحظة التاريخية.

هذا هو صوت المعلمين…
وهذا هو الموقف الذي لا يتزحزح.

الراكوبة

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات