الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارعبد الرحمن عمسيب.. من نقد الدولة السودانية إلى هندسة الوعي التقسيمي!

عبد الرحمن عمسيب.. من نقد الدولة السودانية إلى هندسة الوعي التقسيمي!

خاص سودان تمورو

لم يعد الحديث عن تقسيم السودان حبيس الأدبيات الجيوسياسية الغربية أو تقارير مراكز التفكير التي بشّرت منذ عقود بما سُمّي «الشرق الأوسط الجديد» أو «الشرق الأوسط الكبير»، حيث وُضع السودان ضمن خرائط تفكيك تستهدف إعادة إنتاجه في ست دويلات ضعيفة ومتنافرة، بل انتقل هذا المشروع – مع الأسف – من فضاء التخطيط الخارجي إلى التداول الداخلي، بمساعدة قوى إقليمية، وبمشاركة بعض أبناء البلد، إما عن وعي كامل أو عن انجراف خطابي خطير. ففي الوقت الذي تهدد فيه الحرب الجارية بإنتاج واقع تقسيمي صلب، تتقاسم فيه السلطة العسكرية الجغرافيا بالقوة، برز في المشهد السوداني مسار موازٍ لا يقل خطورة، يمكن توصيفه بوصفه «الخطة البديلة» لتفكيك الدولة، لا عبر البندقية هذه المرة، بل عبر خطاب ناعم، مغلف بلغة التحليل السياسي، ومشحون بإيحاءات الهوية والتمييز العرقي.

هذا الخطاب الجديد يطرح نفسه كدعوة صريحة للانفصال، ويتسلل إلى الوعي العام من بوابة «التشخيص العميق للأزمة»، ويستدر عواطف البسطاء عبر تصوير بعض مكونات المجتمع السوداني بوصفها عبئاً على الدولة، أو عائقاً أمام نهضتها، ليخلص – صراحة أو تلميحاً – إلى أن خلاص البلاد يمر عبر فصل هذه المكونات أو إعادة رسم الدولة على أساس «التجانس» و«الصفاء». وفي قلب هذا الطرح يبرز اسم عبد الرحمن عمسيب، الذي يقدم نفسه مفكراً استراتيجياً وباحثاً في العلوم السياسية والاجتماعية وخبيراً في الصراعات، في محاولة واضحة للتمايز عن الخطاب الانفعالي اليومي، ولإضفاء مسحة أكاديمية على أطروحات بالغة الخطورة.

غير أن القراءة المتأنية لخطاب عمسيب تكشف انزلاقاً متكرراً من فضاء التحليل النقدي إلى مستنقع الاستعلاء العرقي والمعرفي، حيث يُعاد تعريف الأزمة السودانية لا بوصفها أزمة دولة مختطفة وفشل بنيوي في إدارة التنوع وبناء المواطنة، بل باعتبارها أزمة «اختلاط بشري» وغياب «تجانس إثني»، تُختزل في صراع هويات لا في خلل بنيوي للنظام السياسي والاقتصادي. وبهذا التحول، يُنقل مركز الأزمة من الدولة إلى المجتمع، ومن بنية السلطة إلى طبيعة السكان، في ممارسة فكرية تُحمِّل الضحية وزر الفشل التاريخي.

يدّعي عمسيب أن الدولة السودانية قامت على تحالفات قهرية بين المركز والقبيلة، وأن التهميش التاريخي دفع مجموعات بعينها إلى حمل السلاح طلباً للعدالة وتقاسم السلطة. وهذا الطرح، في ذاته، ليس جديداً ولا مرفوضاً، بل يمثل جزءاً معتبراً من الأدبيات السياسية السودانية، ومن نقد الدولة المركزية منذ الاستقلال. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا النقد إلى مشروع انفصالي مقنّع، يُعاد فيه تخيل الدولة على أساس «التجانس العرقي» و«الصفاء الإثني»، فيما يسميه عمسيب دولة «النهر والبحر».

المفارقة العميقة في هذا الخطاب أن من يتحدث باسم إنصاف الهامش وتحرير المهمشين، يوظف ذات المفاهيم لإنتاج هامش جديد متخيَّل، قائم على إقصاء «الآخر» لا بوصفه شريكاً في الفشل التاريخي، بل بوصفه دخيلاً ثقافياً وعرقياً لا «يشبهنا». وهو تناقض لا يمكن فهمه إلا بوصفه إعادة إنتاج للهيمنة، ولكن بأدوات لغوية جديدة، وبخطاب يدّعي التحرر بينما يؤسس لإقصاء أشد قسوة.

يعلم عمسيب، بحكم اشتغاله الأكاديمي، أن العلاقة بين القبيلة والدولة في السودان لم تكن يوماً علاقة تنافر مطلق أو تطابق تام، بل علاقة جدلية معقدة، تراوحت بين التفاوض والتحالف والصراع وأحياناً التماهي. فالقبيلة لم تكن نقيض الدولة على الدوام، بل شكلت في كثير من المراحل حاضنة اجتماعية لها، ورافعة من روافع السلطة والثروة والتمكين. غير أن الخطاب العمسيبي يتعمد – أو يتغافل – عن هذه الحقيقة، ليبني سردية تقوم على التفوق المعرفي والعرقي لجماعة بعينها، مقابل تسفيه الآخر والسخرية من لغته ولهجته وثقافته، في ممارسة رمزية للإقصاء لا تقل خطورة عن الإقصاء السياسي المباشر.

يستخدم هذا الخطاب أدوات التحليل الوصفي والمنهج التاريخي، لكنه يفرغها من مضمونها النقدي، ليضفي شرعية فكرية على عنصرية مقنّعة، تتدثر بمفاهيم مثل «الحق التاريخي في الحكم» و«الخصوصية الثقافية» و«التميّز الإثني». وهي مفاهيم، حين تُفصل عن مبدأ المواطنة المتساوية، تتحول من أدوات فهم إلى أدوات نفي، ومن مفاتيح تحليل إلى مبررات للإقصاء، ومن لغة حقوق إلى خطاب استعلاء.

الخطير في هذا المسار أنه لا يكتفي بتفكيك المركز، وهو أمر مشروع في سياق نقد الدولة السودانية، بل يحوّل التفكيك إلى تبرير أخلاقي للتشظي، ويعيد إنتاج الهيمنة باسم التحرر، والطغيان باسم المظلومية. وبهذا المعنى، لا نكون أمام مشروع تحرري، بل أمام إعادة تدوير لأزمة الدولة في صورة أكثر خطورة، لأنها تستهدف الوعي قبل الجغرافيا.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس انهيار مؤسسات الدولة، فهذه يمكن – نظرياً – إعادة بنائها، بل تفكك الوعي الوطني، حين يصبح التاريخ سلاحاً انتقائياً، والمعرفة أداة إقصاء، والهوية مشروع استعلاء. وحين يتحول النقد السياسي إلى خطاب عنصري مغلف، فإننا لا نكون بصدد تحرير للعقول، بل إعادة إنتاج لأسوأ أشكال الهيمنة، تلك التي تأتي باسم النقاء والتفوق، لا باسم العدالة والمواطنة.

أركان الدولة ثلاث: أرض، وسلطة، وشعب. وجاءت كلمة «شعب» خالية من أي توصيف إثني أو ثقافي أو شكلي، لأنها في جوهرها تعبير عن التنوع لا التطابق، وعن التعدد لا النقاء. أما الأوهام التي ترى في الدولة مرآة للذات، وفي الآخر تهديداً لوجودها، فليست مشروعاً سياسياً، بل ارتداداً فكرياً إلى نزعات طفولية تتقن الهدم أكثر مما تفهم معنى البناء.

لقد علّمنا انفصال جنوب السودان درساً قاسياً.. فالهامش الذي طالب بالانفصال، وساعدته نخب وخطابات إقصائية داخل المركز كالمرحوم الطيب مصطفى، لم يُنهِ أزمة الدولة، بل فتح الباب أمام هوامش جديدة. وبعد الجنوب برزت دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وإذا ما استمر هذا المسار – لا قدّر الله – سواء عبر البندقية أو عبر تغذية الخطاب العنصري الناعم، فسيبرز هامش جديد في الشرق، ثم في ولايات النيل الأبيض وسنار والجزيرة، في سلسلة تفكيك لا تنتهي.

قدر السودان إن أراد البقاء، أن يحافظ على وحدته بتنوعه وجغرافيته، لا عبر إنكار الاختلاف، بل عبر تحويله إلى أساس للمواطنة المتساوية. أما مشاريع التفكيك الناعم، مهما تلونت بلغة التحليل والأكاديمية، فليست سوى أدوات هدم مؤجل، تخدم – بوعي أو بدونه – أجندات صهيونية لا ترى في السودان إلا مساحة قابلة للتشظي لا وطناً جديراً بالحياة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات