السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارقراءة ثانية في اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان لعام 1976م

قراءة ثانية في اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان لعام 1976م

سودان تمورو:

في فبراير 1974م وقع الرئيسان السادات ونميري في الإسكندرية منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي بين مصر والسودان.

وقد تضمن المنهاج اتفاقاً على تعميق وتطوير الروابط بين الشعبين في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية عن طريق إقامة مؤسسات تكفل استمرار التعاون وتكرس التفاعل فتجعله أسلوباً للفكر ومنهجاً للعمل بعيداً عن الارتجال والانفعال.

وفي 15 يوليو 1976م وقع السادات ونميري في الإسكندرية أيضاً اتفاقية للدفاع المشترك بين مصر والسودان، وتهدف الاتفاقية كما جاء في ديباجتها إلى تنسيق جهود البلدين في تأمين وحماية سلامتهما وأمنهما وتعزيز قدراتهما الدفاعية إزاء التحديات التي تواجه الأمة العربية في سبيل تحرير الأرض واسترداد الحق المغتصب وتعميق التعاون الذي هدفت إليه معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية الموقعة في 17 يونيو 1950م، وذلك على هدى منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي الموقع بين البلدين في فبراير 1974م. تم التصديق على اتفاقية الدفاع المشترك في السودان بأمر مؤقت وأُيِّد الأمر المؤقت خلال إحدى جلسات الدورة الطارئة لمجلس الشعب السوداني في أول أغسطس 1976م.

ويلاحظ أن المادة الثامنة من الاتفاقية تنص على أن يُصدق على الاتفاقية وفق الأوضاع الدستورية في كل من الدولتين المتعاقدتين وعلى أن يتم تبادل وثائق التصديق بوزارة خارجية جمهورية السودان الديمقراطية.

وتعتبر الاتفاقية نافذة من تاريخ تبادل وثائق التصديق.

وبعد التوقيع على ميثاق التكامل بين مصر والسودان في 12 أكتوبر 1982م أعلن الرئيس السابق نميري في أمر قيادي للقوات المسلحة في 27 أكتوبر 1982م أن التكامل العسكري بين مصر والسودان هدفه إدماج مسارح العمليات في البلدين من الشمال إلى الجنوب كما أكد حتمية التكامل في الدفاع والأمن مع المجالات الاقتصادية.

ومنذ انتفاضة رجب الشعبية تطالب بعض القوى السياسية السودانية بالإلغاء الفوري لاتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان وحدد النص الإنجليزي (وهو الأصل) لإعلان كوكادام الموقع في 24 مارس 1986م بين التجمع الوطني لإنقاذ البلاد والحركة الشعبية لتحرير السودان إلغاء الأحلاف العسكرية المبرمة بين السودان والبلدان الأخرى والتي تمس سيادة السودان الوطنية كأحد الخطوات الضرورية لتهيئة المناخ الملائم لانعقاد المؤتمر الدستوري القومي المقترح.

ويعتقد السيد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان أن ميثاق الإخاء الذي وقع في 21 فبراير 1987م مع رئيس وزراء مصر الدكتور عاطف صدقي قد جب أو نسخ اتفاقية الدفاع المشترك وذلك استناداً إلى القاعدة الأصولية التي مفادها أن اللاحق ينسخ السابق. ولكن السيد محمد طاهر جيلاني وزير الإسكان وعضو المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي والذي رافق زعيم الحزب السيد محمد عثمان الميرغني خلال الزيارة التي قام بها لمصر بعد فترة من التوقيع على ميثاق الإخاء صرح بأن الجانبين المصري والسوداني اتفقا على إعداد صياغة أخرى للتعاون الأمني بينهما على أن يتم إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك بالطرق القانونية.

ويعنينا في هذا المقام أن نتعرف على أحكام الاتفاقية والشكوك التي أثيرت حولها وأثر ميثاق الإخاء عليها. وفي ختام المقال سنطرح بعض الملاحظات التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند مناقشة مسألة الدفاع المشترك بين مصر والسودان أو اتخاذ قرار بشأنها. وستكون دراستنا للاتفاقية على أساس نص عام 1976م الذي اطلعنا عليه فإذا كان هناك نص آخر أو مواد غير معلنة فلا علم لنا بذلك.

ومن المعروف أن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م قصد بها تلافي بعض أوجه القصور في ميثاق جامعة الدول العربية والتعبير عن التضامن العربي ضد إسرائيل في أعقاب هزيمة عام 1948م. وقد اقتبست نظم المعاهدة وأحكامها من ميثاق حلف شمال الأطلنطي، وكسائر أحلاف الأمن الجماعي فإنها تقوم على اعتبار العدوان الخارجي الواقع على أحد الأطراف عدواناً على الأطراف الأخرى جميعاً.

وبالرغم من أن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م أصبحت نافذة في أغسطس 1952م إلا أنها ظلت منذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا حبراً على ورق ولم تحم حدوداً أو تحرر أرضاً. ولا بد من أن يشار هنا إلى أن مصر صدقت على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م في 22/11/1950م بينما صدق عليها السودان في 11/9/1964م.

وهكذا بسبب التباين السياسي جمدت الدول العربية المعاهدة القومية وآثرت أن تتعاون خارج نطاق الجامعة العربية على أساس معاهدات دفاع مشترك ثنائية وثلاثية ورباعية، وقد أثبتت كل هذه المعاهدات أيضاً عدم جدواها في مواجهة الاعتداءات التي انهالت على الأمة العربية منذ العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م.

تشمل اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان لعام 1976م على أحكام مشابهة لبعض أحكام معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م وأنشأت الاتفاقية كذلك أجهزة عسكرية مماثلة لبعض الأجهزة التي أقامتها معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م.

ويبدو من تفسير اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان على أساس نصها ككل أنها موجهة ضد العدوان الخارجي، ومع ذلك ينبغي ألا يغرب عن البال أن التفسير المؤسس على نص أي معاهدة أو اتفاقية قد لا يتفق دائماً مع الممارسة الفعلية المترتبة عليها.

وفقاً للمادة الأولى من الاتفاقية تعتبر مصر والسودان أن كل اعتداء مسلح يقع على أي منهما أو على قواتهما المسلحة اعتداء عليهما ولذلك فإنهما – عملاً بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية – تلتزمان بأن تبادر كل منهما إلى معاونة الدولة الأخرى التي وقع عليها الاعتداء وأن تتخذ الدولتان معاً على الفور جميع التدابير وتستخدما كل ما لديهما من وسائل بما في ذلك استخدام القوات المسلحة لردع العدوان ورده.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية على أن تتبادل مصر والسودان المعلومات وتتشاوران بناءً على طلب أي منهما في حالة خطر اندلاع الحرب أو عند وقوع اعتداء مفاجئ أو قيام حالة مفاجئة يخشى خطرها وتبادر الدولتان على الفور إلى توحيد خططهما وحركتهما.

كشف عقد مقارنة بين هاتين المادتين للبعض أن المادة الثانية من اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان لم تتضمن الفقرة الأولى من المادة الثالثة من معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م. وكشف أيضاً أن المادة الثانية من اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان أضافت حالة جديدة لم ترد في معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م وهي حالة الاعتداء المفاجئ وأنها حررت الحالة المفاجئة من قيد «الدولية» المنصوص عليه في المادة الثالثة من معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950م.

لا ريب في أن هذه الملاحظات صحيحة ولكن إطلاق المادة الثانية من اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان يقيده تفسير الاتفاقية ككل فالنصوص لا تفسر مستقلة عن غيرها لأنها تكمل بعضها البعض.

وضماناً لفاعلية الاتفاقية فقد اتفقت مصر والسودان في المادة الثالثة على تنسيق خطط وأساليب تطوير قواتهما المسلحة بما يكفل استيعاب أحدث الأسلحة المتقدمة.

وأنشأت المادة الرابعة من الاتفاقية جهازين لتنفيذها هما مجلس الدفاع المشترك وهيئة الأركان المشتركة وقد نصت المادة الخامسة والمادة السادسة على تشكيل واختصاصات مجلس الدفاع وهيئة الأركان المشتركة.

يتألف مجلس الدفاع المشترك من وزراء الخارجية والحربية في البلدين ويجتمع دورياً كل ستة أشهر في القاهرة والخرطوم بالتناوب أو كلما دعت الظروف حسب تقدير أي من الطرفين وتشمل اختصاصات مجلس الدفاع وضع الأسس والمبادئ العامة لسياسة تعاون البلدين في كافة المجالات لردع ومنع الاعتداء عليهما ووضع التوصيات اللازمة لتوجيه وتنسيق نشاط الدولتين لخدمة المجهود الحربي المشترك والتصديق على قرارات هيئة الأركان المشتركة.

أما هيئة الأركان المشتركة فتتكون من رئيسي أركان القوات المسلحة في البلدين ومن عدد متساوٍ من ضباط الأركان في كل منهما حسب ما يقرره مجلس الدفاع وتختص الهيئة بإعداد الخطط والدراسات الكفيلة برفع الكفاءة القتالية للقوات المسلحة في البلدين وتطويرها في مجال التسليح والتدريب وتجتمع الهيئة دورياً كل ثلاثة أشهر أو كلما دعت الحاجة إلى ذلك بطلب من أحد رئيسي أركان الدولتين.

وقد أورد أحد الباحثين أن مجلس الدفاع المشترك عقد اجتماعاً بالقاهرة في الفترة من 7 إلى 10 سبتمبر 1976م وعقدت هيئة الأركان المشتركة اجتماعها الأول في الخرطوم في نوفمبر 1976م ووقعت خلاله اتفاقية لدعم التعاون العسكري بين البلدين. كما عقدت الهيئة اجتماعها الثاني في القاهرة في الفترة 23–25 أبريل 1977م.

ولا تتوفر معلومات حول ما إذا كانت هذه الأجهزة قد عقدت أية اجتماعات أخرى. وعلى كل حال فإن السرية التي تحاط بها عادة أعمال مثل هذه الأجهزة تجعل من العسير علينا تقدير فعاليتها الحقيقية.

وحددت مدة الاتفاقية في المادة السابعة بخمس وعشرين سنة وتتجدد تلقائياً لمدة خمس سنوات ما لم تخطر إحدى الدولتين المتعاقدتين الأخرى برغبتها في الانسحاب منها قبل سنة من تاريخ انتهاء المدة.

وغني عن البيان فإن تحديد أجل معين للاتفاقية تنقضي بحلوله لا يمنع من انقضائها قبل حلول ذلك الأجل بأي من الأسباب المقررة في القانون الدولي لانقضاء المعاهدات متى استوفى ذلك السبب شروط تطبيقه. ويتعين الإشارة هنا إلى أن أحد الشراح أورد تغيير السياسة الداخلية وتبدل العلاقات الدولية ضمن الأسباب الواقعية لانقضاء معاهدات التحالف.

شكوك حول الاتفاقية

أثارت اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان وقت إبرامها وحتى انتهاء حكم نميري الكثير من الشكوك ويرى الباحثون أن بعض هذه الشكوك يعود إلى تفسير نصوص الاتفاقية والبعض الآخر يعود إلى الظروف والملابسات التي أبرمت فيها وطبيعة الحكم القائم آنذاك ويمكن إجمال هذه الشكوك في الآتي:

1- إن الاتفاقية أبرمت بعد أقل من أسبوعين من الحركة المسلحة التي نظمتها في 2 يوليو 1976 الجبهة الوطنية عبر الحدود السودانية–الليبية وكانت الجبهة الوطنية تضم آنذاك حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي وجماعة الإخوان المسلمين وقد صور نميري هذه الحركة كعدوان ليبي بمرتزقة أجانب كان يستهدف مصر والسودان. ففي حديث وجهه إلى الشعب المصري في 15 يوليو 1976 قال نميري إن صمود السودان لم يكن فقط دفاعاً عن السودان بل كان أيضاً (من موقع الدفاع المتقدم عن مصر الغالية والشقيقة والتي استهدفها الغزو الليبي قبل السودان وعبره وحاول عن طريق عمق مصر الذي يمثله السودان أن ينال قلب مصر بالتطويق والمحاصرة).

2- تعتقد بعض القوى السياسية السودانية أن السلطات المصرية وفرت غطاءً أمنياً لنميري لمواجهة كل المحاولات التي استهدفت نظام حكمه وأن اتفاقية الدفاع المشترك جاءت كتتويج لهذا الغطاء. وتذهب هذه القوى إلى أن سرباً من طائرات الميج المصرية شارك في قصف جزيرة أبا في مارس 1970م وأن السلطات المصرية ساهمت في إحباط المحاولة الانقلابية التي قادها الرائد هاشم العطا في 19 يوليو 1971م. ويذكر أنه بعد إحباط محاولة هاشم العطا تلا نميري في الخطاب الذي ألقاه في 22 يوليو 1971م بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو أن الاتحاد الثلاثي والذي اتفق على إقامته في نوفمبر 1970 بين مصر وليبيا والسودان قد ولد بأسنان حادة وأعلن السادات كذلك عن تأييده المطلق لنميري. وكانت إحدى دول الاتحاد وهي ليبيا قد سلمت المقدم بابكر النور والرائد فاروق عثمان حمد الله وهما من قادة المحاولة الانقلابية إلى السلطات السودانية وذلك بعد إجبار طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت تقلهما من لندن إلى الخرطوم على الهبوط في مطار بنغازي.

ولدى هذه القوى أيضاً قناعة تامة بأن السفارة المصرية في الخرطوم والسلطات المصرية في القاهرة لعبت دوراً لصالح نميري إبان أحداث 2 يوليو 1976 التي نظمتها الجبهة الوطنية المعارضة. فبعد إخفاق الحركة أصدر رئيس الجبهة السيد الصادق المهدي بياناً في باريس قال فيه إن نظام مايو كاد أن يذهب إلى مزبلة التاريخ لولا أن هب لنجدته نظام السادات بإقامة جسر جوي لنقل الجنود والأسلحة والمعدات وإرسال إذاعة وفنيين.

ومن غير المذكور أن نميري حيّا في حديثه للشعب المصري في 15 يوليو 1976 مساندة مصر للسودان: (مصر الأصالة التي تجاوز عطاءها احتياجات بينها فكانت للنضال القومي قوته وقدرته). وفي كتابه (السودان والنفق المظلم) ذكر د. منصور خالد وهو يتحدث عن حركة 2 يوليو 1976 ما يفيد بأنه في ذروة الصدام المسلح الذي شل كل المؤسسات والمرافق شللاً تماماً تمكن وزير الإعلام آنذاك السيد بونا ملوال عبر صبي مراسلة من نقل التوجيهات بعودة القوات السودانية المرابطة في السويس (وقد نقلها صبي إلى السفير سعد الفطاطري والذي نقلها بدوره إلى جهات الاختصاص في مصر).

3- هناك من يرى أنه في الوقت الذي أصبحت فيه القوات المسلحة في معظم دول العالم الثالث طرفاً في صراع القوى السياسية فإن النص في المادة الأولى من اتفاقية الدفاع المشترك ودون تحديد على الاعتداء على القوات المسلحة كأحد الحالات التي تستوجب تطبيق أحكام الاتفاقية قد يوفر مدخلاً لحماية أنظمة وصلت إلى السلطة عبر القوات المسلحة. يضاف إلى هذا أن الإطلاق الذي صيغت به المادة الثانية من الاتفاقية قد يغري بتوظيف أحكام المادة المتعلقة بالتشاور وتبادل المعلومات وتوحيد الخطط والحركة لمواجهة أوضاع داخلية.

4- إزاء العزلة الداخلية والخارجية التي اعترت نظام نميري في بعض الفترات ولجوء المعارضة السودانية إلى عدد من الدول العربية والإفريقية المجاورة وبعض الدول الأوروبية لم يكن من السهل التمييز بين التهديد الداخلي والخارجي للنظام. وقد عبّر عن ذلك الكاتب المصري جمال عبد الجواد في مجلة (السياسة الدولية) في يوليو 1984 حين قال: (المشكلة التي تواجه تطبيق اتفاقية الدفاع المشترك المصري السوداني هي غياب الحدود الفاصلة بين التهديدات الداخلية والخارجية على نظام نميري وذلك أنه بينما تسعى بعض القوى الخارجية لإسقاط نميري إلا أن هذه القوى تمارس تأثيرها من خلال قوى داخلية توجد مبررات موضوعية كثيرة لتمردها ضد النظام الحاكم بحيث أنه ليس من المستبعد عند مرحلة معينة أن تتحول مساندة نظام الرئيس نميري ضد القوى الخارجية إلى نوع من التورط في مواجهة قوى داخلية).

5- تعود نظام مايو على افتعال الأزمات الخارجية لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية أو لاستجداء التأييد السياسي لدرجة أن الحالة الوحيدة التي أعلن فيها صراحة عن تطبيق اتفاقية الدفاع المشترك وهي حالة الغارة الجوية على أم درمان في 16 مارس 1984 لم تكن فوق الشبهات، ويذكر أن الرئيس السابق نميري أعلن في 17 مارس 1984 أن مصر أرسلت قوات عسكرية إلى السودان لمساعدته في الدفاع ضد أي عدوان خارجي. وفي نفس التاريخ أعلن في مصر أن الرئيس حسني مبارك صدق على إجراءات عسكرية لردع أي اعتداء على السودان وصدرت أوامر لمجموعات عسكرية بالتوجه إلى الخرطوم للتنسيق مع القوات المسلحة السودانية.

تكييف ميثاق الإخاء وآثاره

لا يمكن قانوناً تكييف ميثاق الإخاء الذي وقعه السيد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان والدكتور عاطف صدقي رئيس وزراء مصر في 21 فبراير 1987 كاتفاقية أو معاهدة فهو لا يرتب أي حقوق أو التزامات متبادلة في ظل أحكام القانون الدولي ولا يعدو أن يكون إعلاناً أو بياناً مشتركاً يفصح عن مواقف مصر والسودان بشأن بعض أوجه العلاقات الثنائية ومشكلة الشرق الأوسط والأزمة اللبنانية وحرب الخليج ومشكلة تشاد وقضايا الجنوب الإفريقي وقضية الديون الخارجية ولكنه لا يفصح عن إرادة أطرافه الالتزام به كما لو كان اتفاقاً دولياً.

وحتى إذا كان من الجائز تكييف ميثاق الإخاء لعام 1987 كاتفاقية أو معاهدة فهو لا ينسخ أو يلغي اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976 لأنه لا ينص صراحة على إلغاء الاتفاقية ولا يشتمل على نص يتعارض مع أحكامها أو ينظم من جديد موضوع الدفاع المشترك بين مصر والسودان.

ولكن من المنظور الواقعي لا جدال في أن انتفاضة رجب الشعبية رتبت آثاراً سياسية على الاتفاقيات التي يتطلب استمرار تطبيقها بقاء الأوضاع الداخلية على ما هي عليه وذلك بحكم علاقة التأثير والتأثر بين الأوضاع الداخلية والسياسة الخارجية. ولكن هذا لا يكفي وحده للتحلل من الالتزامات التعاهدية أو للدفع بأن اتفاقية ما قد نسخت أو انقضت. إذ يتعين اتباع القواعد والإجراءات التي تنص عليها الاتفاقية نفسها أو المقررة في القانون الدولي بشأن انقضاء المعاهدات.

ملاحظات ختامية

على ضوء العرض الذي قدمناه نورد فيما يلي بعض الملاحظات الختامية:

1- إذا كان هناك سعي لإعادة صياغة اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976 بغرض رفع بذور الشك والرفض أو إبرام اتفاقية بديلة فإن ذلك يجب أن يتم بعد بلورة المبادئ السياسية والاقتصادية والثقافية التي عبر عنها ميثاق الإخاء في اتفاقيات محددة ومفصلة وذلك باعتبار أن ميثاق الإخاء يمثل الإطار النظري الجديد للتآخي والترابط بين الشعبين المصري والسوداني فالتعاون الأمني والعسكري لا يمكن أن يشكل مدخلاً سليماً لهذا التآخي والترابط.

2- من الخير أن نحدد من البداية ما إذا كنا بصدد اتفاقية دفاع مشترك أو اتفاقية حماية فالتفاوت الكبير في القدرات العسكرية للأطراف يجرد الاتفاقية من الصفة التبادلية ويلقي بأعبائها على طرف واحد ويحولها في التحليل الأخير إلى اتفاقية حماية. ونعيد إلى الأذهان هنا التصريح الذي أدلى به في يوليو 1987 المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع المصري عقب حضوره حفل تخرج بالكلية البحرية بابي قير. فقد قال إن مصر لم تبلغ رسمياً بما أعلن في الخرطوم عن إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك وأكد أن الاتفاقية هي لصالح السودان قبل أن تكون لصالح مصر.

3- إن نجاح التعاون العسكري وفاعليته وضمان احتوائه في إطاره الصحيح يتطلب تجانساً في الأنظمة السياسية وتوافقاً في مصادر الشرعية السياسية. وليس بخافٍ أن السودان بعد انتفاضته الشعبية يمارس الديمقراطية بمفهومها التعددي الليبرالي بينما تمارس مصر ما يشير إليه البعض بالديمقراطية المقيدة. ويبدو أن هذا التجانس كان مفقوداً خلال فترة الحكم السابق بالرغم من وجود منهاج للعمل السياسي بين البلدين وإنشاء المجلس الأعلى للتكامل وبرلمان وادي النيل. فقد قال الرئيس حسني مبارك في 4 أبريل 1985 معلقاً على أحداث الانتفاضة في السودان إن ما حدث في السودان لن يحدث في مصر (لأن مصر دولة مؤسسات ولدينا حرية رأي والذي يريد أن يطرح رأياً يستطيع أن يقوله بحرية والأحزاب تتعامل معهم كمواطنين).

‏4- إن الدفاع المشترك ينبغي ألا يُنظر إليه كقضية عسكرية بحتة فمن الحقائق التي لا يختلف حولها اثنان اليوم أن الدفاع يتصل اتصالاً وثيقاً بعناصر أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية ويتكامل معها ليكون مفهوم الأمن القومي. وفي هذا الإطار فإن مقتضيات الأمن القومي تستوجب إخراج العلاقات المصرية السودانية من دائرة الخصوصية التقليدية الضرورية حولها. فالأمن القومي لكل من مصر والسودان يمتد إلى وسط وشرق أفريقيا وبالتالي لا يمكن إغفال دور دول حوض النيل الأفريقية في الدفاع عنه في نطاق خطة لتنمية حوض النيل كوحدة اقتصادية. ولا يكفي في هذا الصدد مجرد الإشارة العابرة إلى ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية.

وجدير بالذكر أنه من بين المبادئ التي نص عليها ميثاق الإخاء بين مصر والسودان دعم التعاون العربي الأفريقي والعمل بصفة خاصة على التنسيق والتعاون بين دول حوض نهر النيل وتنمية موارده وتنظيم مياهه والمحافظة عليه. وكان د. بطرس غالي وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية قد قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال أعمال دورتها السابعة والثلاثين إن مصر والسودان يهدفان من التكامل إلى قيام تعاون إقليمي يكون مثالاً يُحتذى به ونواة لتعاون يتسع إلى دول حوض النيل التسع بشريانه وروافده ومنابعه. وأشار إلى أن التكامل بين مصر والسودان يعتبر تطبيقاً لما أقره الرؤساء الأفارقة في عام 1980 في قمة لاغوس بشأن التعاون الإقليمي في أفريقيا. ويضاف إلى كل هذا إعلان د. أسامة الباز في نوفمبر 1982 أن أي تهديد لإحدى دول حوض النيل يعد تهديداً لأمن مصر.

يبقى أن نقول إن إبرام اتفاقيات الدفاع المشترك ينبغي ألا يكون غاية في حد ذاته فالأضابير العربية تنوء باتفاقيات الدفاع المشترك المجمدة. وقد قيل بحق إن جدوى اتفاقيات الدفاع المشترك تتحدد بفحص موضوعي لسلوك أطرافها في الواقع العملي.

د. فيصل عبدالرحمن على طه

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات