خاص سودان تمورو
ليست الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين، بل هي اختبار قاسٍ للعقل السياسي والأخلاقي للدولة، ولقدرتها على التمييز بين ما هو عسكري وما هو مدني، بين منطق البندقية ومنطق إنقاذ الأرواح. وفي هذا السياق، لم يكن حديث رئيس الوزراء كامل إدريس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الاثنين 22 ديسمبر 2025 خطاباً عابراً، بل لحظة فاصلة تفرض سؤالاً جوهرياً لا يحتمل المواربة: هل ما طُرح يمثل موقفاً تفاوضياً يفتح كوة في جدار الحرب، أم اشتراطات مغلقة تعني عملياً توقيعاً جديداً على استمرار المحرقة؟
منذ تعيينه كان من واجب رئيس الوزراء المدني أن ينحاز بلا تردد للسلام، لا بوصفه شعاراً أخلاقياً، بل باعتباره أداة الحكم الوحيدة المشروعة في مواجهة حرب تفتك بالمدنيين وتدمّر الدولة. فبينما يسعى الجيش، بحكم طبيعته ووظيفته، إلى تحقيق أهدافه عبر الحرب، فإن الدور الطبيعي لأي قيادة مدنية هو تحقيق الأهداف الوطنية عبر السلام. ما للجيش للجيش، وما لرئيس الوزراء المدني لرئيس الوزراء المدني. هذا الفصل ليس ترفاً فكرياً، بل شرط بقاء للدولة، ويتطلب شجاعة في التفكير، وخيالاً سياسياً قادراً على الخروج من أسر الصندوق العسكري الضيق.
الحديث عن السلام هنا ليس ترفاً أخلاقياً أيضاً، بل ضرورة وجودية. نحن نتحدث عن حرب كارثية أزالت أهلنا من بيوتهم، وقتلتهم، وارتكبت بحقهم جرائم موثقة، حرب إن لم يُحسن التعامل معها ستمزق السودان، ولن تقف عند حدوده، بل ستمتد إلى جواره المضطرب أصلاً. وإن أُسيء التعامل معها مرة أخرى، فقد تستمر لعقود، مصحوبة بالقتل المنهجي ونهب الموارد وتآكل ما تبقى من الدولة.
لهذا، فإن التعامل الإيجابي والمسؤول مع اللحظة الراهنة ليس خياراً سياسياً، بل واجب وطني. العالم اليوم يعيش حالة جنون غير مسبوقة؛ حروب تشتعل هنا وهناك، وأخرى تلوح في الأفق، والانتباه الدولي سلعة نادرة. إن لم تُؤخذ تحركات “الرباعية” بجدية الآن، فقد يُنسى السودان مرة أخرى في زحام الأزمات العالمية، ويُترك شعبه لمصيره.
جوهر الإشكال يكمن في الفرق الحاسم بين “الاشتراط” و”الموقف التفاوضي”. الاشتراطات بطبيعتها غير قابلة للتفاوض أو المساومة، وتُطرح كعقبات تسبق الجلوس إلى الطاولة، ما يعني عملياً استمرار الحرب. أما الموقف التفاوضي، فهو طرح مطالب ضمن عملية أخذٍ وردّ، تُدار بعقلية الحل لا بعقلية الإقصاء. من هنا، يصبح السؤال عن طبيعة ما طرحه كامل إدريس سؤالاً مصيرياً، لأن الإجابة عليه تحدد ما إذا كانت القيادة المدنية تسعى فعلاً لفتح مسار سلام، أم تكتفي بإعادة إنتاج خطاب الحرب بلغة دبلوماسية.
النتائج الميدانية لأي تأخير أو غموض ليست نظرية. الأوضاع الإنسانية في الأبيض، الدلنج، كادوقلي، بلغت حداً يستدعي التحرك الفوري. قرابة ثلاثة ملايين مدني في كردفان الكبرى يواجهون خطر الإبادة البطيئة، ومع كل يوم صمت أو تردد، يقترب الحكم عليهم بالإعدام الجماعي. وفي دارفور، يعيد الهجوم على مناطق مثل أبو قمرة، وما يُخشى أن يمتد إلى أم برو وكرنوي والطينة، فتح جراح لم تندمل بعد، ويعمّق الكارثة الإنسانية، ويمزق النسيج الاجتماعي الذي أنهكته سنوات الدم.
في هذا المشهد، يمارس طرفا الصراع لعبة الشروط التعجيزية ببرود قاتل. الدعم السريع يطرح إبعاد الإسلاميين وتصنيفهم جماعة إرهابية كشرط مسبق، والجيش يشترط خروج الدعم السريع من مناطق سيطرته قبل أي تفاهم. هذه ليست مطالب تفاوضية، بل ذرائع متبادلة لاستمرار القتال. لا هي منطقية، ولا موضوعية، ولا قابلة للتحقق قبل وقف إطلاق النار، والنتيجة الحتمية لها هي استمرار النزيف.
هنا تتعاظم مسؤولية الوساطة الإقليمية والدولية. إن كان ما طُرح موقفاً تفاوضياً، فعلى الوساطة الدعوة فوراً إلى حوار مباشر. وإن كان اشتراطات، فعليها الانتقال إلى حوار غير مباشر يكسر الجمود، لأن الوقت لم يعد يسمح بالمناورات. الفشل في التحرك الآن يعني المشاركة الأخلاقية في ما قد يتحول إلى واحدة من أكبر الجرائم ضد المدنيين في الإقليم.
السودان ليس بلداً بلا خبرة. تاريخه السياسي حافل بتجارب تفاوضية معقدة، ناجحة وفاشلة، ويمكن استدعاء دروسها لصياغة حلول واقعية، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى أطراف الحرب، والإرادة الإقليمية والدولية لتلبية ما هو موضوعي لكل طرف، بعيداً عن الأمنيات غير الواقعية والشروط القصوى.
في نهاية المطاف، على من يخوضون هذه الحرب أن يستوعبوا حقيقة بسيطة وقاسية: الحروب تنتهي دائماً، لكن الضحايا لا يعودون، والجراح لا تندمل بسهولة، وجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم. حماية المدنيين ليست خياراً تفاوضياً، بل ركن أصيل من أركان القانون الإنساني الدولي، وأي سلام يُبنى على تجاهل هذه الحقيقة سيكون سلاماً هشاً ومؤجلاً للانفجار.
الاختبار الحقيقي أمام كامل إدريس، وأمام كل من يملك قراراً في هذه اللحظة، هو الاختيار بين السلام بوصفه أداة حكم، أو الشروط التعجيزية بوصفها غطاءً لاستمرار الحرب. التاريخ لن يرحم من فضّل المستحيل السياسي على الممكن الإنساني، ولا من وضع الشروط فوق الأرواح، ووقّع، بصمته أو بكلمته، على استمرار المأساة.
