الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف نكتب السلام؟ بقلم د. ناهد محمد الحسن

كيف نكتب السلام؟ بقلم د. ناهد محمد الحسن

سودان تمورو:

ربما السؤال ليس: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نكتب السلام بحيث لا يعود العنف بعد أن نُغلق الصفحة؟ السلام ليس بيانًا يُوقَّع، ولا صورة جماعية، ولا كلمات مطمئنة تُقال للناس كي يناموا.

السلام نصّ طويل، وإن لم تُكتب شروطه بوضوح، كتبها العنف من جديد. وحين نفكر في السلام، نجد أنفسنا أمام تصورات مختلفة.

كل تصور يبدو معقولًا من زاويته، ومخيفًا من زاوية أخرى.

هناك من يرى أن السلام يحتاج أولًا إلى طيّ الماضي، وأن فتح الملفات الآن سيُعيد إشعال الأحقاد، وأن المجتمعات المنهكة تحتاج إلى هدنة نفسية لا إلى محاكمات. هذا التصور ليس بلا إنسانية، بل مشبع بالخوف: الخوف من الانهيار، ومن الغرق في الألم، ومن فقدان ما تبقى من التماسك.

لكن ما لا يُواجَه لا يختفي.

التاريخ يخبرنا أن الطيّ السريع لا يُنهي الماضي، بل يؤجله.

بعد الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف الجرائم النازية؛ لأن مرتكبيها ندموا فجأة، بل لأن فكرة الإفلات من العقاب انكسرت علنًا. لم تكن المحاكمات مجرد انتقام، بل لحظة أخلاقية فاصلة قالت: الأوامر ليست عذرًا، والمنصب ليس درعًا، والزمن ليس ضمانة.

منذ تلك اللحظة، لم يعد الفعل وحده هو الجريمة. صار ما يُقال، وما يُكتب، وما يُبثّ جزءًا من المسؤولية. وهنا يصبح الإعلام طرفًا في معادلة السلام، لا شاهدًا محايدًا عليها. ففي كل الحروب، لم يكن العنف جسديًا فقط، بل لغويًا أيضًا. كلمات تُمهّد، تعابير تُبرّر، وتكرار يجعل الجريمة تبدو عادية، بل ضرورية.

الإعلام الذي يظن أن ما قيل زمن الحرب سيُغفَر له تلقائيًا بعد انتهائها يخدع نفسه. وفي زمن الهواتف والمنصات، لا تموت الأدلة.

تتأجل فقط.

وهناك تصور آخر للسلام يرى أن العدالة يجب أن تكون محدودة وحذرة، لا تطهيرًا شاملًا ولا انتقامًا، بل رسالة أخلاقية تقول إن بعض الخطوط لا يجوز عبورها. هذا التصور قد يحمي المجتمع من الانقسام، لكنه يفشل حين تتحول العدالة إلى مشهد رمزي، وحين تُضحّى بأسماء قليلة ليبقى النظام نفسه قائمًا.

وفي المقابل، هناك من يرى أن الجرائم لا تُفهم دون تفكيك البنية التي سمحت بها: التحريض، الصمت، التطبيع، والاستفادة. هذا التصور لا يُنكر مسؤولية الأفراد، لكنه يرفض اختزال العدالة في محاكم وأسماء. غير أنه يخيب حين يتحول إلى تأجيل دائم، وحين تُستخدم “تعقيدات الواقع” ذريعة لطمس المسؤولية.

بين هذه التصورات، لا نحتاج إلى اختيار واحد وإلغاء البقية.

نحتاج سلامًا مكتوبًا بذكاء، يعرف أن الحقيقة لا تهدد الاستقرار، وأن المحاسبة لا تعني الفوضى، وأن المصالحة لا تُفرض قبل الاعتراف.

السلام الذي نحتاجه هو سلام يُقال فيه بهدوء: ما يحدث الآن يُرى.

وما يُقال الآن يُسجَّل. وما يُبرَّر اليوم قد يُسأل عنه غدًا. ليس تهديدًا، بل تصحيح ميزان. فأخطر ما في الحروب ليس العنف وحده، بل اعتقاد الفاعلين فيه—بالسلاح أو بالكلمة—أنهم في مأمن لأن ما سبقهم دُفن بلا حساب. في أفريقيا، عاش حسين حبري سنوات طويلة في منفى هادئ،

مطمئنًا إلى أن الزمن قد محا ما فعل. لكن العدالة لا تعمل بسرعة النسيان. بعد أكثر من عقدين،

جاءت المحاكمة. هادئة. باردة. دقيقة. لم تكن صرخة غضب،

بل جملة واحدة طويلة قالت:

الجرائم لا تموت إن لم تُحاسَب.

هذا النوع من العدالة، لا يُرعب المجتمعات، لكنه يُقلق الجناة.

لأنه لا يهدد، بل يُذكّر.

التاريخ علّمنا أن السلام لا يُكتب بالنسيان، بل بالوضوح. وحين نكتب السلام بهذه الطريقة، لا نخيف المجتمع، بل نحرّره، ولا نغلق المستقبل، بل نمنحه فرصة ألا يعيد الكارثة نفسها بأسماء جديدة. ذلك، في جوهره، هو السلام الذي يستحق أن يُكتب.

التغيير

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات