سودان تمورو:
برزت خلال الأيام الماضية قضية ما سمي بورشة “الإصلاح القانوني بمشروع الجزيرة” التي دعا إليها رئيس الجهاز القضائي بولاية الجزيرة وما صاحبها من تصريحات تطالب بنزع ملكية الأراضي داخل المشروع لصالح الدولة تحت ذرائع “الإصلاح” وضبط النزاعات القانونية المتعلقة بالحيازة وإدارة الأراضي.
وقد أثارت هذه الدعوة موجة واسعة من القلق والغضب وسط أهل الجزيرة الذين رأوا فيها اعتداءً صريحاً على حقوق الملكية الخاصة ومحاولة خطيرة للالتفاف على التاريخ والقانون معاً.
فأراضي الملك الحر لا تملك أي جهة قانونية حق نزعها باعتبارها ملكيات خاصة ثابتة ومعلومة. وقد حاول نظام الإنقاذ سابقاً عبر تعديلات متكررة على قوانين مشروع الجزيرة الوصول إلى هذا الهدف، لكن كل تلك المحاولات فشلت. واليوم يعيد هذا الطرح إنتاج الأزمة ذاتها، بل ويضع رئيس الجهاز القضائي في موضع الخصم والحكم في آنٍ واحد وهو ما يتناقض مع أبسط قواعد العدالة واستقلال القضاء.
يضم مشروع الجزيرة ما يقارب 40% من الأراضي ذات الملكية الخاصة وهو حق تاريخي راسخ وحتى المستعمر البريطاني على قسوته اعترف بهذا الحق، ولم يجرؤ على المساس بملكية الأرض، بل لجأ إلى استئجارها من أصحابها مقابل عوائد مجزية في ذلك الوقت.
أما اليوم، فتسعى جهات رسمية في مخالفة صريحة للقوانين والأعراف إلى تسجيل هذه الأراضي لدى مسجل الأراضي، رغم أن أراضي مشروع الجزيرة تتبع إدارياً وفنياً لإدارة المساحة التابعة للمشروع، وليس لمسجل الأراضي العام.
ويرى أهل الجزيرة أن استهداف ولايتهم ومشروعهم ليس أمراً جديداً، لكنه في الآونة الأخيرة اتخذ طابعاً أكثر خطورة، فمنذ انقلاب أكتوبر 2021 بدأت بعض الحركات الدارفورية المسلحة في إظهار أطماعها في إنسان الجزيرة ومشروعه عبر زيارات وندوات ومحاولات لخلق موطئ قدم بعد أن تراجعت حواضنها التقليدية.
ويقول الأهالي إن هذه الحركات استغلت أموال الدولة في شراء ذمم بعض المسؤولين في الولاية وكذلك بعض ضعاف النفوس من أبناء المنطقة مستفيدة من سيطرتها على الوزارات ذات الموارد المالية.
ولن تفلح محاولات هذه الحركات في إيجاد موطئ قدم لها داخل الجزيرة فهي ما تزال حركات مسلحة، ولم تتحول إلى قوى سياسية مدنية يحق لها التنافس المشروع في كل أنحاء السودان. فالسلاح لا يصنع شرعية وفرض النفوذ عبر الدولة أو القانون المُسيّس لن يمنحها القبول الذي عجزت عن تحقيقه سياسياً.
وتجلت هذه المؤامرة بوضوح حين اجتاح الدعم السريع الجزيرة حيث قُدمت له التسهيلات كاملة، وسقطت الفرقة الأولى في ود مدني عاصمة الولاية خلال ساعات دون مقاومة تذكر وتم تسليم الولاية “تسليم مفتاح” كما يصف أهلها.
وخلال تلك الفترة تعرضت الجزيرة لأكبر عمليات تشريد ونزوح، واستبيحت القرى وقتل المدنيون، ونهبت الممتلكات والثروة الحيوانية، حتى أصبح غالبية السكان في حالة فقر مدقع.
ولم تُحرر الجزيرة لاحقاً إلا بأيدي أبنائها الذين اضطروا لحمل السلاح دفاعاً عن أرضهم وعرضهم وهم الذين لم يعرفوا من قبل سوى الزراعة وأدواتها، في مشهد يعكس حجم الخذلان الذي تعرضت له الولاية.
إن المؤامرة على مشروع الجزيرة ليست وليدة اللحظة، فقد ظل المشروع تاريخياً عصياً على محاولات التدجين السياسي، وقد نظر إليه أنصار النظام السابق باعتباره بؤرة مقاومة لمخططاتهم، فتعرض خلال العقود الأخيرة لتدمير ممنهج تمثل في التلاعب بقوانينه وبيع أصوله ورفع الدعم عنه، ثم تقنين هذا الخراب عبر تشريعات معيبة، وكان قانون 2005 بداية هذا المسار فيما جاء قانون 2014 ليعمق الأزمة ويكرس الفوضى.
واليوم من وجهة نظر أهل المشروع بلغت هذه المؤامرة ذروتها، فقد استُغل ضعف الدولة، وهشاشتها لتمرير مخطط نزع ملكية الأراضي، وهذه المرة عبر بوابة “الإصلاح القانوني”
والأخطر أن هذا المسعى بحسب الأهالي تقوده جهات ذات توجهات قبلية وجهوية، حيث يشار إلى دور وزارة المالية التي أدت إلى حركة العدل والمساواة في تمويل هذه السياسات بدلاً من إنقاذ المشروع؛ مما لحق به من دمار.
ويتحدث أهل الجزيرة عن استخدام أموال الدولة لشراء ذمم بعض المسؤولين والأجهزة القانونية، بل وحتى بعض الإدارات داخل المشروع نفسه بهدف نزع الملكيات الخاصة وإحداث تغييرات ديمغرافية وسياسية وتمرير أجندة خاصة، وكل ذلك تحت لافتة “الإصلاح القانوني”.
وفي المقابل انتفض أهل الجزيرة دفاعاً عن أرضهم ومشروعهم ورفضاً لمحاولات نزع الملكية، وارتفعت الأصوات محذرة من خطورة المضي في هذا المسار الذي لا يهدد مشروع الجزيرة وحده، بل يفتح الباب لصراعات اجتماعية خطيرة.
إن ما يجري في مشروع الجزيرة ليس إصلاحاً، بل صراع على الأرض والهوية والموارد ومحاولة لإعادة تشكيل الواقع بالقانون المُسيّس وهو ما يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية، أما حماية المشروع وحقوق أهله أو تركه فريسة لمخططات لن تقف آثارها عند حدود الجزيرة وحدها.
*كاتب ومحلل سياسي
التغيير
