سودان تمورو
تمرّ السودان اليوم بواحدة من أخطر لحظاتها التاريخية، ليس لأنها تشهد حرباً داخلية فحسب، بل لأن هذه الحرب تضرب في عمق سؤال الوجود الوطني ذاته: هل ما زال هذا الكيان قادراً على الاستمرار بوصفه دولة جامعة، أم أنّه يتجه نحو التفكك والانهيار؟ فالحرب الدائرة لم تعد مجرّد صراعٍ على السلطة أو النفوذ، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية تهدّد فكرة الدولة نفسها، وتكشف هشاشة العقد الاجتماعي الذي كان يفترض أن يجمع السودانيين على اختلاف أعراقهم وأقاليمهم وتياراتهم.
إنّ أول حقيقة ينبغي الاعتراف بها بوضوح، بعيداً عن الشعارات والانحيازات، هي أنّ الحروب الداخلية لا تبني دولة، ولا تؤسس لأي حضارة. فالدولة، في معناها العميق، ليست جهازاً عسكرياً ينتصر في ساحة المعركة، بل منظومة سياسية وأخلاقية وقانونية قادرة على إدارة التنوّع وضبط الصراع وتحويل الاختلاف إلى مصدر غنى لا إلى وقود للدمار.
فالانتصار في الحرب الداخلية لا يكون بالقضاء النهائي على أي طرف من الأطراف. فحتى لو افترضنا – جدلاً – أنّ أحد أطراف الصراع استطاع أن يحسم المعركة عسكرياً، فإنّ هذا الحسم لا يعني نهاية الأزمة، بل بداية طورٍ جديد منها. لأنّ الطرف المُقصى لن يختفي من المجتمع، ولن تُمحى جذوره الاجتماعية أو القبلية أو الجغرافية، بل سيتحوّل إلى جرحٍ مفتوح في جسد الدولة، ينتظر لحظة الانفجار القادمة، فأثمان الإقصاء الكامل، من حيث الدماء، والخراب، والكراهية المتراكمة، وانعدام الثقة، أكبر بكثير من أي ثمن يمكن أن يُدفع في مسار الصلح والتوافق، مهما بدا هذا المسار شاقاً ومؤلماً.
فالسودان بلد شديد التعقيد من حيث البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقد ظلّ هذا التنوّع يُدار – في الغالب – بعقلية الهيمنة لا بعقلية الشراكة. وكلما فشلت النخب السياسية في بناء مشروع وطني جامع، جرى اللجوء إلى القوة بوصفها الحلّ الأسهل والأسرع، من دون الالتفات إلى أنّ القوة قد تفرض الصمت المؤقت، لكنها لا تصنع قبولاً ولا تبني شرعية.
ولهذا فإنّ الاعتراف بالتباين والاختلاف يُعدّ الخطوة الأولى لوضع الحلول، ولا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح إذا انطلق من وهم التجانس، أو من محاولة صهر المجتمع قسراً في قالبٍ واحد، فالسودان ليس كتلة واحدة، ولن يكون كذلك، وهذه ليست مشكلة في ذاتها، بل المشكلة في إنكار هذا الواقع، فالاعتراف بالاختلاف لا يعني تكريسه كصراع، بل يعني تحويله إلى أساس للتفاهم، وإلى مدخل لبناء نظام سياسي يعكس هذا التنوّع بدلاً من أن يقمعه.
إنّ أحد أخطر الأوهام التي رافقت التجربة السودانية، كما رافقت تجارب عربية أخرى، هو الاعتقاد بأنّ المشكلة تُحلّ بإسقاط نظام أو صعود سلطة جديدة. لكن التجربة أثبتت أنّ تغيير الوجوه لا يكفي ما لم يتغيّر منطق الحكم ذاته. فالدولة التي تُدار بعقلية الإقصاء ستُنتج صراعاً، مهما تغيّرت الشعارات، والدولة التي لا تُشرك أطرافها المختلفة في القرار ستظلّ مهدّدة بالانفجار، مهما امتلكت من قوة عسكرية.
ومن هنا فأن الخروج من المأزق الوجودي الذي يعيشه السودان اليوم يتطلّب، قبل كل شيء، تحوّلاً في طريقة التفكير السياسي. فبدلاً من منطق «من ينتصر؟» يجب الانتقال إلى منطق «كيف نمنع الانهيار؟». وبدلاً من البحث عن حسمٍ عسكري، يجب البحث عن تسوية تاريخية تعترف بالأخطاء، وتفتح باب المصالحة، وتعيد بناء الثقة بين المكوّنات المختلفة. وهذا لا يعني تبرير الجرائم أو تجاهل المظالم، بل يعني التعامل معها ضمن إطار عدالة انتقالية حقيقية، لا انتقامية، تُنصف الضحايا من دون أن تُغرق البلاد في دوّامة ثأر لا تنتهي.
كما أنّ أي حلّ سياسي جاد لا بد أن يترافق مع معالجة عميقة للاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي غذّت الصراع. فالفقر، والتهميش، وغياب التنمية المتوازنة، ليست قضايا هامشية، بل هي وقود أساسي للحروب الداخلية. ولا يمكن بناء سلام مستدام في ظل شعور قطاعات واسعة من المجتمع بأنها خارج معادلة الدولة، أو أنّها لا تجني من الوطن سوى الخسارة.
إنّ السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من السلاح، ولا إلى خطابات تعبئة تزيد من الاستقطاب، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بأنّ لا أحد يستطيع أن يحكم هذا البلد وحده، فالدولة لا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة، ولا تُحمى بالقوة وحدها، بل بالعدالة والإنصاف. وكل تأخير في الانتقال إلى هذا الوعي سيعني مزيداً من الدماء، ومزيداً من التآكل في فكرة الوطن نفسها.
في النهاية، ليست الأزمة السودانية قدراً محتوماً، ولا الحرب مصيراً لا فكاك منه، فما تزال هناك نافذة، وإن ضاقت، للخروج من هذا المأزق الوجودي، شرط أن يُعاد تعريف السياسة بوصفها فنّ التوافق لا إدارة الصراع، وبوصفها مسؤولية تاريخية لا ساحة لتصفية الحسابات. فإمّا أن يتوافق السودانيون على دولة تتّسع لهم جميعاً، أو سيبقون أسرى حربٍ لا منتصر فيها، لأنّ الخاسر الأكبر فيها سيكون السودان ذاته.
