سودان تمورو:
في إحدى حكايات التاريخ القديم، حين كانت المدن تُحاصر وتضيق بالناس، لم يكن الجنود أول من يُستدعى للحكم، بل الحُرّاس.
كان الحارس يقف على البوابة ليحمي المدينة من الخارج، لا ليحكم من الداخل.
لكن شيئًا ما يتغير دائمًا في لحظة الخطر:
حين يطول الحصار، ويتعب السياسيون، ويتشاجر الحكماء، يبدأ الناس في النظر إلى الحارس لا بوصفه واقفًا على الباب، بل بوصفه الباب نفسه.
ومن هنا تبدأ القصة.
هذه السلسلة ليست هجومًا على الجيش، ولا دفاعًا أعمى عنه.
وليست محاولة لإعادة إنتاج شعار سهل من نوع “الجيش إلى الثكنات”، وكأن المسألة مجرد خطوة إلى الخلف.
هي محاولة لفهم كيف ولماذا خرج الجيش من الثكنة أصلًا، ولماذا يبدو الرجوع أصعب مما نتصور.
1. الخوف: المادة الخام للسياسة العسكرية
في علم النفس السياسي، يُعدّ الخوف أحد أقوى محرّكات السلوك الجمعي.
الخوف لا يُعطّل التفكير فقط، بل يعيد تشكيله.
حين يشعر المجتمع بالتهديد الوجودي—تفكك، حرب، فوضى، انهيار اقتصادي—يحدث ما يسميه بعض علماء النفس الارتداد نحو اليقين الصلب.
الناس لا تبحث في تلك اللحظات عن نقاشات معقدة، بل عن صوت واحد..قرار سريع..يد قوية..وهنا تظهر المؤسسة العسكرية كإجابة نفسية قبل أن تكون سياسية.
ليس لأنها أذكى، بل لأنها أوضح..ليس لأنها أعدل، بل لأنها أكثر حسمًا.
بينما الجيش في المخيال الجمعي يتحول ليصبح: “آخر ما تبقى من النظام”. وهذه فكرة خطيرة، لا لأنها خاطئة تمامًا، بل لأنها ناقصة.
2. المجتمع والسياسة:
حين تفشل السياسة، تُستدعى القوة
علم الاجتماع السياسي يخبرنا أن تدخل الجيش في السياسة لا يحدث في فراغ. هو غالبًا عرضٌ لمرضٍ أعمق. فحين تعجز الأحزاب عن: تنظيم الخلاف، و
إنتاج قيادة مقنعة..او لا تنجح في تقديم أفق عملي للناس..يتحول الصراع السياسي إلى ضجيج بلا قرار.
وفي هذه اللحظة، يبدو الجيش—بترتيبه، وانضباطه، وسلسلة أوامره—كبديل “عملي”.
لكن هذا “البديل” يحمل مفارقة كبرى:
الجيش مُصمَّم لإدارة العنف، لا لإدارة التعدد.
مدرب على الحسم، لا على التفاوض.. مصمم على تقديم الأوامر او تلقيها، لا على التسويات.
وحين يُكلَّف بما لم يُصمَّم له، لا يفشل وحده—بل يفشل معه المجتمع كله.
3. من الاحتراف إلى التسييس: كيف تتآكل المؤسسة من الداخل؟
في الفلسفة السياسية الحديثة، يُفترض أن يكون الجيش: أداة للدولة، وليس شريكًا في الحكم، او حاملًا لأيديولوجيا.
لكن هذا الافتراض ينهار حين: تمتلك المؤسسة العسكرية اقتصادًا خاصًا
أو تُستخدم لحماية نظام أيديولوجي، أو تُزج في صراعات داخلية طويلة.
في هذه الحالة، لا يعود الجيش “محايدًا”، بل يتحول تدريجيًا إلى فاعل سياسي كامل: له مصالح، حلفاء، كما له بالضرورة أعداء. والأخطر:
حين يبدأ في إعادة تعريف “الوطن” على مقاس هذه المصالح.
هنا لا نكون أمام “جيش يحكم”، بل أمام سياسة
مسلّحة.
4. السودان: العقدة التي لا تُفهم بالهتاف
في السودان، لا يمكن فهم علاقة الجيش بالسياسة دون تسمية الأمور بأسمائها. فالسودان دولة لم تُكمل مشروعها المدني. بها
تعدد في مراكز العنف، مع تاريخ تسييس طويل للمؤسسة العسكرية. غارقة في اقتصاد الحرب، وتعاني من انقسامات اجتماعية عميقة.
في هذا السياق، يصبح الجيش ضحية لتوظيف سياسي، وفاعلًا في آنٍ واحد. وهذه الازدواجية هي لبّ المأساة. فالجيش ليس كتلة واحدة، ولا عقلًا واحدًا، ولا نية واحدة.
وفي الوقت ذاته، ليس بريئًا من التسييس، ولا من التحالفات غير الوطنية. كما انه مشغول بحماية شبكات مصالح ضيقة. وبالتالي الهروب من أحد الجانبين هو تبسيط مريح لكنه مدمّر.
5. لماذا لا يكفي الغضب؟
الغضب مفهوم. بل أحيانًا ضروري. لكن علم النفس يخبرنا أن الغضب حين لا يُؤطَّر، يتحول إلى إسقاط، تخوين، تبسيط أخلاقي. فنقع في ثنائية قاتلة: “إما معنا أو ضدنا”
وهذه بالضبط اللغة التي تُغذّي عسكرة السياسة.
فمقاومة التسييس لا تكون بتسييس مضاد، ولا باستبدال وصاية بوصاية، بل بإعادة السياسة إلى معناها الأصلي: إدارة الخلاف دون إلغاء الخصم.
6. أفق مختلف: كيف نفكر في الحل؟
أي حديث جاد عن مستقبل الجيش في السودان يجب أن يبدأ من ثلاث مسلّمات: لا دولة بلا مؤسسة عسكرية مهنية. ولا ديمقراطية مع جيش مسيّس. ولا إصلاح بلا سياسة مدنية قادرة على التنظيم لا فقط الاحتجاج
الحل ليس إذلال الجيش،
ولا تقديسه، بل فكّ الاشتباك بين السلاح والسياسة. وهذا مسار
طويل، تدريجي، ومليء بالتناقضات.
لكنه الطريق الوحيد الذي لا ينتهي بحرب جديدة.
نواصل
