الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمآسي التعليم في الحصاحيصا: حين يتحول العام الدراسي إلى موسم جبايات بقلم...

مآسي التعليم في الحصاحيصا: حين يتحول العام الدراسي إلى موسم جبايات بقلم حسن عبد الرضي الشيخ

سودان تمورو:
تتوالى مآسي التعليم في محلية الحصاحيصا، لا باعتبارها أحداثًا عابرة أو أخطاءً إدارية محدودة، بل بوصفها سياسةً متكاملة الأركان، تتجدد مع كل عام دراسي جديد، وتتكشف فصولها مع أولى خطوات “التجهيز” في ظروف يعلم قاصيها ودانيها أنها الأقسى في تاريخ إنسان الجزيرة.
ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه من إدارات التعليم أن تُخفف العبء عن كاهل المدارس والمعلمين وأولياء الأمور، وأن تنحاز إلى حق التلميذ في تعليم كريم ومجاني، أقدمت هذه الإدارات – بلا مواربة – على فرض جبايات جديدة، مستندة إلى حجج واهية وذرائع بالية، لا تصمد أمام أدنى فحص أخلاقي أو قانوني.
بدأ المشهد برسومٍ فُرضت بمسميات متعددة، حتى ضاع المسمّى وبقيت الجباية. ثم أُلحقت هذه الرسوم بجباية أكثر فجاجة، تمثلت في فرض رسوم لامتحان شهري لأربع مواد فقط، وكأن الامتحان نفسه تحوّل من أداة تقويم تربوي إلى مورد مالي ثابت. ولم تقف شهية الجباية عند هذا الحد.
إذ لجأت إدارات التعليم إلى حيلة أخرى، أكثر خبثًا وأقل إعلانًا: ما يُعرف بـ”الجولة التوجيهية”. جولة غير معلنة في الخطاب، لكنها معلنة في الأثر، ولا بد أن تُعلن حين يحين وقت تحصيل الغنيمة. فُرض مبلغ مائة ألف جنيه تُسلَّم نقدًا، تحت مسمى “الترحيل”، وكأن التوجيه التربوي صار رحلة خاصة تُموَّل من جيوب المدارس المنهكة.
ولم تكتفِ الإدارات بذلك، بل أُضيف إلى المشهد فصلٌ أكثر قتامة: ظروفٌ بداخلها مبالغ مالية، تُسلَّم يدًا بيد، ظرف به مبلغ مالي لكل موجه كهدية ولمديري المدارس فيها مآرب اخرى. في مشهد يُجرد العملية التعليمية من أي قيمة تربوية، ويُدخلها صراحةً في دائرة الإهانة والابتزاز المقنّع، حيث يُدفع المعلم دفعًا للمشاركة في منظومة يعلم في قرارة نفسه فسادها، لكنه محاصر بالحاجة والخوف.
مائة ألف جنيه من كل مدرسة.
رقم ليس بسيطًا في واقعٍ انهارت فيه الدخول، وتآكلت فيه الرواتب، وتحوّلت فيه المدرسة إلى ملجأ أخير للفقراء. رقم يعني أن التعليم في الحصاحيصا لم يعد خدمة عامة، بل مشروع جباية، تُدار مفاصله بعقلية الجباة لا بعقلية التربويين.
إن ما يحدث في محلية الحصاحيصا ليس مجرد تجاوزات إدارية، بل مأساة أخلاقية كاملة، وضربٌ سافرٌ لمبدأ مجانية التعليم، واستهانة فادحة بكرامة المعلم، واستخفاف صارخ بمعاناة المواطن. وهو، قبل ذلك وبعده، جريمة في حق الأجيال القادمة، التي تُدفع منذ نعومة أظفارها لتتعلم أن الطريق إلى التعليم مفروش بالإيصالات والظروف، لا بالقيم والمعرفة.
إن السكوت عن هذه الممارسات هو مشاركة فيها. وإن تطبيعها بوصفها “ظروفًا استثنائية” هو أخطر ما يمكن أن يحدث، لأن الاستثناء إذا طال صار قاعدة، والقاعدة هنا هي خراب التعليم، وبيع ما تبقى من ضميره في سوق الجبايات.
وسيظل السؤال قائمًا، مؤلمًا وملحًا:
إلى متى يُترك تعليم الجزيرة، وتعليم الحصاحيصا على وجه الخصوص، نهبًا لمن لا يرون فيه إلا موردًا ماليًا؟
وإلى متى يدفع المعلم والتلميذ ثمن عجز الدولة وفساد الإدارة؟

الراكوبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات