سودان تمورو
تمثل تشريعات المرور جانباً ضرورياً من حياة الناس العادية، وتسعى لضمان السلامة المرورية على الطرق، وذلك من خلال وضع القواعد والأحكام التي تضمن صلاحية المركبات على السير دون أن تحدث مخاطر على الآخرين، وامتثال السائق لقواعد السير على الطريق بما يراعي تحقيق الأمان المطلوب لمستخدمي الطريق من مركبات وأفراد. وتعد الجزاءات القانونية التي توقع على مرتكبي المخالفات المرورية من صورة الردع الذي يجبر على الامتثال للقواعد المنظمة لحركة السير بصورة آمنة وصحيحة.
لائحة التسويات الفورية
نص قانون المرور السوداني لسنة 2010 على سلطة وزير الداخلية في التشاور مع وزيري العدل والمالية لإصدار لائحة التسويات الفورية وتكون ملزمة لمستويات الحكم كافة. ويعتور هذه اللائحة عدة مآخذ قانونية تقعد بالقانون عن تحقيق هدفه الأسمى وهو السلامة المرورية وتجعل منه مجرد أداة للجباية وتحقيق موارد مالية إضافية للحكومة.
فرض جزاء على مخالفة وليس تحصيل جبابة مالية
1- النظر للجزاءات القانونية التي تفرض على مخالفة تشريعات المرور باعتبارها تسويات مالية عن جزاءات قانونية أخرى يتضمن خللاً جوهرياً وهو تمكين رجل شرطي المرور من القيام بعمل تسوية مالية مع المخالفين بدلاً من اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بما في ذلك إحالتهم للمحكمة للفصل بشأن وجود مخالفة من عدمها. فمثل هذه التسويات تجعل السائق المخالف في محل الخضوع دون إرادته لسيف مسلط عليه لسداد مبلغ مالي قد لا يكون موافقاً عليه. وهذا لا يساعد على تطبيق القانون وإجبار المكلفين به على احترامه، وإنما يفتح باباً للتخلص من تبعات المخالفة بالرضا أو الاكراه
كما أنها تخلق عدم عدالة في فرض الجزاء على المخالفين، فالذين يوافقون على سداد مبلغ التسوية يمكنهم الإفلات من العقاب الذي قد تفرضه المحكمة، أما الذين يتمسكون بعدم وجود مخالفة أو أن اتهامهم بها لم ينبني على بينة واضحة، فإن مصيرهم قد يكون حجز المركبة إلى حين الفصل النهائي في مظلمتهم. ومثل هذا التفاوت الذي يمنح فرص للمساومة بشأن مخالفات مرورية لا يتعين القبول به، فعدالة الجزاء ومساواة الجميع أمامها يتعين أن تكون القاعدة الحاكمة والتي يجب أن تحل محل التسويات الفورية.
وعوضاً عن هذا النظام فيمكن أن تصدر لائحة مخالفات تتضمن جزاءات مالية، تفرض على كل من يخالف القاعدة المرورية، وأن يتم إخطار السائق الذي يرتكب مخالفة بمخالفته وبالجزاء القانوني بحقه وأن يتاح له حق التظلم على الجزاء المفروض عليه وتمكينه وتقديم البينات على صحة موقفه القانوني سواء بصورة حضورية أو من خلال تظلم الكتروني، وأن يتم إعلامه بالقرار بشأن التظلم الصادر بحقه، دون أن يتم حجز عربته إلا في الحالات التي تمثل خطراً حقيقياً على السلامة المرورية في الطريق مثل عدم ترخيص المركبة أو وجود خلل بائن يسبب مخاطر واضحة.
2- تجعل لائحة التسويات المرورية من رجل شرطة المرور متحصلاً مالياً لأغراض جباية مبالغ التسويات المرورية الفورية من الذين يوافقون على سدادها، وهذا يخالف طبيعة عمل الشرطي. فمهام شرطي المرور يجب أن تقف عند حدود الضبط المروري بتوجيه حركة السير وتنظيمها وإصدار المخالفات واتخاذ الإجراءات التي تحافظ على السلامة المرورية بما في ذلك حجز العربات التي تشكل خطر على السلامة في الطرق، ويجب أن لا تكون له أي صلاحيات تتعلق بالجباية المالية أو استلام غرامات. فإضافة مهام تحصيل مالي لشرطي المرور يخالف طبيعة عمله ويبعده عن مجاله المهني الخاص بالسلامة المرورية وضبط حركة السير ويخلق منه متحصلاً مالياً دون ضرورة.
ضرورة استحداث نظام بالحاق المخالفات بسجل المركبة وليس التحصيل الميداني
سارت معظم الدول على ارفاق الغرامات المرورية بملف المركبة، ويتعين على مالك المركبة سداد المخالفات في أي وقت قبل حلول ميعاد تجديد ترخيص المركبة وعدم التجديد إلا بعد سداد الغرامات. ومثل هذا النظام يحقق الردع العام المطلوب ويمنع المنظر البشع الذي يقف فيه رجال شرطة المرور متحصلين ميدانيين لمبالغ التسويات . من الضروري أن تقوم وزارة الداخلية بدراسة تطوير تحصيل المخالفات بابعادها من رجال شرطة واستحداث أساليب أكثر حوكمة لتحصيل غرامات المخالفات بما في ذلك إضافتها لسجل المركبة وإخطار مالك المركبة بها لسدادها في وقت أقصاه تاريخ تجديد ترخيص المركبة.
التوعية التشريعية
يتعين أن تكون لائحة التسويات الفورية منشورة للكافة عبر وسائل نشر التشريعات من خلال الجريدة الرسمية والمواقع الالكترونية المعتمدة لوزارة الداخلية وشرطة المرور، فنشر التشريعات ضروري لعلم الكافة باللائحة والامتثال لأحكامها وتطبيقها على أرض الواقع، ومن واجب وزارة الداخلية توعية الجمهور باللائحة وأول وسائل التوعية أن تكون منشورة بالقدر الكافي الذي يمكن من العلم بها، إلا أن لائحة التسويات الفورية التي يصدرها وزير الداخلية محفوظة في حرز آمن، فلن تجدها في كتيب منشور أو موقع حكومي رسمي. وإذا تسللت إلى موقع وزارة الداخلية الالكتروني فستجد صفحة للوائح والقوانين، إلا أنها لا تحتوي إلا على لائحة التجارة الدولية في الحيوانات والنباتات البرية وأجزائها ومشتقاتها لسنة ٢٠٢٤م، ولائحة تنظيم حماية الصيد والحظائر الاتحادية لسنة 2000م وكأن هذه اللوائح هي كل التشريعات التي تنظم عمل وزارة الداخلية.
ينتظر وزارة الداخلية واجب منزلي كبير لدراسة التجارب المقارنة في إدارة حركة المرور وتنظيمه واستخدام التقنيات الالكترونية والتطبيقات الذكية بدلاً عن الاعتصام بالأساليب القديمة في معالجة النظم المرورية بما في ذلك المخالفات الميدانية
