سودان تمورو:
في واقعة تصلح أن تُدرَّس في كليات العبث السياسي، أدانت محكمة في دنقلا مواطنًا سودانيًا شريفًا، لا لسرقةٍ ولا لفسادٍ ولا لقتل حلمٍ جماعي، بل لأنه كتب منشورًا ساخرًا على الوسائط الاجتماعية وصف فيه البرهان بأنه “نصف رجل ونصف قائد”.
فكان الجزاء: غرامة اثنين مليار جنيه سوداني، وبالعدم ستة أشهر سجن.
إنها عدالة “مهيبة”!!!، لا تمزح، حتى لو كان الاتهام… رأيًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه، لا بصفته قانونيًا بل وجوديًا:
ماذا لو قال المواطن الحقيقة كاملة؟
ماذا لو كتب – بلا تجزئة – أن البرهان ليس رجلًا وليس قائدًا؟
هل كنا سنشهد حكمًا بالإعدام؟ أم مصادرة القلم؟ أم سحب الهواء من الرئتين بتهمة “التنفس دون إذن سيادي”؟
يبدو أن خطيئة هذا المواطن لا تكمن في الإساءة، بل في المجاملة الزائدة.
فهو – ويا للعجب – شدّ البرهان أطول من قامته، ورفعه فوق ما يحتمل الوصف، حين منحه “نصف رجل” و“نصف قائد”.
وهذه – في ميزان المطبلين – جريمة لا تُغتفر: أن ترفعه أكثر مما يستحق، ولكن بطريقة ساخرة، فتكشف العري بدل أن تستره.
المحكمة – ويُحسب لها هذا الاجتهاد الفريد – لم تُدن البرهان في الأداء، ولا في الحصيلة، ولا في الخراب الممتد، بل أدانت لغة الوصف.
وكأنها تقول للمواطنين:
يمكنكم الصمت، ويمكنكم التهليل، ويمكنكم التسبيح بحمد الفشل…
لكن إياكم والبلاغة الساخرة، فهي أخطر من الرصاص، وأشد فتكًا من الحقيقة.
اثنان مليار جنيه!
يا له من رقمٍ فخم، لا يُفرض على ناهبٍ ولا على مفسدٍ ولا على من أضاع وطنًا، بل على مواطن كتب جملة، لم تكتمل فيها الحقيقة كما ينبغي.
فالحقيقة – كما يعرفها الجميع – أن البرهان ليس نصف شيء،
لأنه لا يُقاس بالكسر أصلًا.
أما السجن ستة أشهر “بالعدم”، فهو تذكير بأن الحرية في هذا البلد تُحبس احتياطيًا، وأن الرأي قد يُطلق سراحه فقط إذا دفع فدية الصمت.
لقد أخطأ المواطن، نعم.
أخطأ لأنه كان كريمًا في الوصف، أخطأ لأنه تعامل مع البرهان بمنطق الكسور، بينما الواقع – الذي يتحاشاه المطبلون – لا يحتمل القسمة أصلًا.
وهكذا، لم تنتصر محكمة دنقلا للعدالة، بل انتصرت للبلاغة الرديئة،
وعاقبت مواطنًا لأنه لم يقل الحقيقة كاملة،
ولأنه – ويا لسوء الطالع – ظن أن “نصف رجل ونصف قائد” وصفٌ قاسٍ، بينما هو في عرف الاسوياء… مدحٌ زائد عن اللزوم.
الراكوبة
