الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالعسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (7) بقلم د. ناهد محمد الحسن

العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (7) بقلم د. ناهد محمد الحسن

سودان تمورو:

كثيرًا ما يُقال: الشارع قال، الشارع يريد، الشارع انفضّ، الشارع خانته النخب.

لكن قليلًا ما نتوقف لنسأل بصدق: من هو هذا الشارع أصلًا؟ وأين يقف الآن، بعد كل ما جرى؟

الشارع، كما يُستَخدم في الخطاب السياسي السوداني، ليس كيانًا حيًا بقدر ما هو استعارة.

يُستدعى حين نحتاج إلى شرعية، ويُستبعد حين يربك الحسابات.

يُقدَّم بوصفه كتلة واحدة حين يخدم السردية، ويُجزَّأ أو يُتَّهَم حين يخرج عن النص.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا، وأقل شاعرية.

الشارع اليوم ليس هو شارع 2019.

ليس لأن الناس تغيّروا أخلاقيًا، بل لأن التجربة غيّرت علاقتهم بالسياسة.

الشارع الذي خرج مطالبًا بالحرية والعدالة، وجد نفسه لاحقًا محاصرًا بالخيبات، ثم بالحرب، ثم بانهيار معنى الدولة ذاته.

كثيرون لم يغادروا السياسة لأنهم تعبوا من الثورة، بل لأن الثورة لم تجد طريقها إلى حياتهم اليومية.

في علم الاجتماع، تُفهم هذه الحالة بوصفها انتقالًا من الفعل الجماعي إلى الانكفاء الوقائي.

حين يشعر الناس أن المشاركة لا تُنتج أثرًا، يتحول الوعي من التغيير إلى النجاة.

لا لأنهم فقدوا القيم، بل لأن الكلفة صارت أعلى من القدرة.

وهنا يحدث الخلل الكبير في خطاب القوى المدنية.

بدل أن تُقرأ هذه المسافة بوصفها إنذارًا،

كثيرًا ما تُقرأ كخيانة.

وبدل أن يُسأل: لماذا ابتعد الناس؟

يُقال: الناس لم تعد واعية.

وهكذا تُعاد إنتاج العلاقة الرأسية نفسها التي ثار الشارع ضدها:

نخبة تفهم، وجمهور يُوبَّخ.

لكن الشارع ليس طفلًا سياسيًا يحتاج إلى وصاية.

هو مرآة صادقة لفشل السياسة حين تفشل.

وحين لا يرى الناس أنفسهم في الخطاب المدني،

فهذا لا يعني أنهم انقلبوا على القيم،

بل يعني أن الخطاب لم يعد يتكلم لغتهم، ولا يعيش شروطهم.

اليوم، الشارع موزّع بين معسكرات الخوف أكثر مما هو موزّع بين مواقف سياسية.

خوف من السلاح.

خوف من الجوع.

خوف من التفكك.

وخوف، لا يُقال كثيرًا، من المدنيين أنفسهم حين يتحدثون بلغة لا تعترف بهذا الخوف.

لهذا، لا يمكن استعادة الشارع بالهتاف، ولا بالاستدعاء الرمزي، ولا بترديد شعارات صيغت لزمن آخر.

الشارع لا يعود حين يُطلَب منه الاصطفاف،

بل حين يشعر أن السياسة عادت إلى الأرض، إلى حياته، إلى حاجاته البسيطة.

التجارب المقارنة في المجتمعات الخارجة من النزاعات توضّح هذا بجلاء.

في كولومبيا، لم تُستعد ثقة الناس عبر اتفاقيات النخب وحدها،

بل حين ارتبطت السياسة بالخدمات، وبالأمن المحلي، وبإعادة الحياة إلى القرى.

في جنوب أفريقيا، لم يكن الخطاب الأخلاقي وحده كافيًا،

بل كان الاعتراف بالألم، وبالخطأ، وبالحدود، جزءًا من إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسياسة.

الشارع لا يريد من يتكلم باسمه،

بل من يعمل معه.

لا يريد من يختصره في صورة مثالية،

بل من يعترف بتناقضاته دون ازدراء.

وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية القوى المدنية اليوم.

ليس المطلوب منها أن تدّعي تمثيل الشارع،

ولا أن تنتظر تفويضًا شعبيًا شاملًا،

بل أن تعيد تعريف علاقتها به:

من علاقة استدعاء إلى علاقة شراكة،

من خطاب تعبوي إلى ممارسة يومية.

حين ترتبط السياسة بالتكايا، وبالتعليم في معسكرات النزوح، وبالعلاج، وبإعادة بناء ما تهدّم،

لا تصبح هذه أنشطة هامشية،

بل تتحول إلى لغة سياسية جديدة، يفهمها الناس دون وسطاء.

هذه اللغة لا تحتاج إلى رفع الصوت،

ولا إلى تقسيم الناس بين ثوريين ومرتبكين،

بل تحتاج إلى صبر، وتواضع، وقدرة على الإصغاء.

الشارع، في هذه اللحظة، لا يسأل: من على حق؟

بل يسأل: من بقي معنا حين انهار كل شيء؟

حين يُعاد بناء هذه الثقة،

يمكن للسياسة أن تعود،

لا كخطاب فوقي،

بل كفعل مشترك، بطيء، لكنه قابل للحياة.

في المقال القادم، سننتقل خطوة أخرى إلى الأمام:

كيف يمكن للقوى المدنية، رغم انقسامها، أن تعمل معًا دون إنكار خلافاتها؟

وكيف نميّز بين الاختلاف الذي يغني السياسة، والاختلاف الذي يعيد إنتاج منطق الحرب؟

التغيير

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات