خاص سودان تمورو
ليس ثمّة ما يثير السخرية أكثر من أن تتحول واشنطن – ذات التاريخ الحافل بإشعال الحروب وزرع الفوضى في الجغرافيا العربية – إلى من يقدّم “مقترح سلام” مكونًا من 17 نقطة لإنهاء حرب السودان المدمّرة. هذا التناقض القائم بذاته يكفي لإثارة شكوكٍ عميقة وجرحٍ قديم في الذاكرة الجمعية. فكيف نثق ببائع السلاح ذاته عندما يأتي ليلعب دور المصلح؟ وكيف نصدق نوايا قوةٍ تاريخياً نظرت إلى منطقتنا باعتبارها رقعة شطرنجٍ لمصالحها، وحقول تجارب لصراعاتها بالوكالة؟ شكوكنا ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية فرضتها جبال الجثث وأنهار الدمع التي خلّفتها “الحلول” الدولية سابقة الذكر.
والأمر الأكثر إيلاماً، هو أن هذا المقترح يُطرح في لحظةٍ يبدو فيها المشهد العسكري متجمداً عند حافة الهاوية، دون أن يرى أحدٌ طرف النفق. فالحسم العسكري الذي يتغنّى به البعض، يبدو حلماً بعيد المنال في المدى المنظور، بينما تطحن آلة الحرب، يوماً بعد يوم، عظام المدنيين في كردفان ودارفور وفي كل بقعة من تراب هذا الوطن العريق. ما يفعله “الجنجويد” من موبقات وانتهاكات منهجية، هو جريمة ضد الإنسانية يجب ألا تمر دون محاسبة، لكن وقف نزيف الدماء الآن هو الشرط الأول لأي محاسبة مستقبلية.
في هذا الوضع المأزوم، حيث يتلظى الشعب السوداني بنار لا تبقي ولا تذر، نجد أنفسنا أمام ثلاثة خيارات كلها مرهونة بتكلفة باهظة:
الأول: استمرار الحرب. وهو خيار انتحاري جماعي، يدفع ثمنه الملايين من أهل السودان العُزل، الذين باتت حياتهم رهناً لقذيفة طائشة أو لقمة خبز مفقودة. وهو استمرار للدوران في حلقة مفرغة من الدمار، حيث المنتصر الوحيد هو الموت.
الثاني: الإنهاك والتقسيم. أن يعجز الطرفان عن مواصلة القتال وينكفئ كلٌ على المناطق التي يسيطر عليها، محوّلاً خطوط التماس إلى حدودٍ دائمة. هذا هو خيار التمزق الرسمي للوطن، وإضفاء الشرعية على تقسيمٍ قد يؤدي إلى دويلات متعثرة، تعيد سيناريو انفصال الجنوب بكل مآسيه، ولكن على نطاق أوسع وأكثر دموية.
الثالث: الانخراط في عملية السلام الحالية، رغم شوائبها وشكوكنا الكبيرة في نوايا من يقف وراءها. هو خيارٌ مركبٌ من المرارة والأمل، يقبل بمسار سياسي تحت رعاية “الآلية الخماسية” (الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، الإيغاد، الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية)، على أن يكون شرطه الأساسي ليس مجرد توقيع وثيقة، بل أن يكون مدخلاً حقيقياً لوقف إطلاق النار الفوري والشامل، يليه انتقال سريع إلى عملية سياسية جادة تشمل جميع المكونات السودانية الرئيسية من “الإسلاميين”، “صمود” و”الكتلة الديمقراطية” و”تأسيس” وغيرها. هذه العملية يجب ألا تكون مجرد مشاورات شكلية، بل إعادة تأسيس حقيقية للعقد الاجتماعي السوداني، تقود إلى إصلاحات هيكلية شاملة في الجيش والأمن والدولة، وترسم طريقاً واضحاً لانتقال ديمقراطي يلبي طموحات شعب ثار من أجل الحرية والكرامة والعدالة.
بكل تأكيد فإن أي ذي بصيرة سيرى أن خيار السلام، ولو كان محفوفاً بالمخاطر ومرهوناً بأجندات خارجية، يبقى هو الخيار الأقل سوءاً والأكثر إنسانية. ليس لأننا نثق في وعود واشنطن أو الرباعية، بل لأننا نؤمن بأن شعب السودان، الذي تحمّل الويلات، قادرٌ على تحويل أي مسار دولي إلى فرصة لصالحه، إذا التفت حول هدف واحد هو إنقاذ ما تبقى من الوطن. المطلوب الآن هو يقظة شعبية عالية، ورقابة لا تهدأ، ومطالبة لا تتوقف بأن يكون السلام القادم عادلاً وشاملاً وجذرياً، لا مجرد هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس قبل معركة قادمة. السلام الذي نريده هو الذي يبدأ بوقف النار وينتهي بهدم أركان الحرب نفسها.
