الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف ستدفع أوروبا ثمن أوهام تحالفها مع العملاق الأمريكي؟.. بقلم أحمد حسن

كيف ستدفع أوروبا ثمن أوهام تحالفها مع العملاق الأمريكي؟.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو

كلمات رئيس الوزراء البريطاني الأخيرة، التي حاولت أن توفق بين دفاع خجول عن “سيادة الحلفاء” في قضية غرينلاند، وبين التأكيد على “التحالف الحيوي” مع واشنطن، ليست سوى ترنيمة أخيرة لمرحلة انتهت. إنها مرثاة لتحالف عبر الأطلسي دخل في نفق الانهيار، ولعلاقة لن تبقى على حالها طويلاً. فما نشهده اليوم ليس مجرد توترات تجارية عابرة أو خلافات سياسية ظرفية؛ إنه تصدع استراتيجي عميق، ينذر بانهيار وشيك في العلاقة بين أوروبا وأمريكا. السرطان الذي زرعه “الفكر الترامبي” في جسد العلاقات الدولية، والمتمثل في منطق الهيمنة المطلقة والمعاملات القائمة على الابتزاز والربح الفوري، لم يعد مرضاً أمريكياً داخلياً فحسب، بل تحول إلى فايروس يفتك بكل تحالف تقليدي. هذا الفكر لن يمت بذهاب ترامب، بل تسرب إلى صلب الاستراتيجية الأمريكية، وسيُطبق قريباً بحق جميع الحلفاء، من لندن وبرلين إلى الرياض وأبو ظبي.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن الوعد الأمريكي بالحماية كان فخاً استراتيجياً. فالمظلة الأمنية التي ظلت أوروبا تتكئ عليها لعقود، تحولت إلى أداة ضغط وابتزاز، تُرفع كلما خرجت القارة عن الخط. التعاون النووي والاستخباراتي الذي يتباهى به البريطانيون، ليس سوى قيد ذهبي يجعل سيادتهم وسرّيتهم رهينة للإرادة الأمريكية. والعلاقة “الأكثر فعالية في العالم” هي في حقيقتها علاقة سيد ووكيل، حيث تقدم أوروبا الدم والمال والموارد، بينما تحتفظ واشنطن بالقرار والربح والسيطرة. اليوم، لم تعد الضغوط أمريكية فقط في مجال التجارة، بل امتدت إلى الطاقة، عبر إملاءات لشراء غاز مسال أمريكي بأسعار باهظة، وفي الصناعات التكنولوجية، عبر قوانين تخدم الاقتصاد الأمريكي على حساب الشركات الأوروبية، وحتى في السياسة الخارجية، حيث يُفرض على الحلفاء تبني مواقف قد تدمر اقتصاداتهم وتجعلهم في مرمى نيران أزمات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

والمأساة أن الداء سيطال الجميع. فلدغات هذا الفكر الهيمني لن تتوقف عند شواطئ الأطلسي. إن “الصفقات” التي تُفرض على الحلفاء في الشرق الأوسط، من تطبيع علاقات يدفعون ثمنها السياسي والأمني، إلى إعادة رسم تحالفات تخدم المصالح الأمريكية وحدها، هي نفس العقلية. إنها الإملاءات التي تهدد باستقرار دول الخليج، وتدفعها لمزيد من التسلح بأسعار خيالية، وتجبرها على خوض معارك بالوكالة. الخطاب البريطاني عن “التحالفات الدائمة القائمة على الاحترام” أصبح نكتة مرة في عالم تحولت فيه العلاقات إلى مزاد علني، حيث تُباع الولاءات وتُشترى المصالح بأبخس الأثمان.

لقد حان وقت اليقظة، ولكن الوقت قد يكون متأخراً. إن الانهيار ليس احتمالاً، بل هو نتيجة حتمية لمسيرة طويلة من التنكر لمصالح الحلفاء. أوروبا التي راهنت على حماية السيد الأمريكي، ستجد نفسها قريباً وحيدة في مواجهة عواصف القرن الحادي والعشرين، وقد أنهكتها سياسات التبعية وخسرت سيادتها وقدرتها على الفعل المستقل. السقوط سيأتي من الداخل أولاً، عبر مزيد من الانقسامات والانشقاقات بين دول القارة، كل منها يسارع لعقد صفقة منفردة مع واشنطن لإنقاذ نفسه، مما سيسرّع عملية الابتلاع. الصور الجميلة لقمم التحالف وبيانات الصداقة لن تغير من الحقيقة القاسية: فالعملاق الجائع قد بدأ بتناول حلفائه، وأوروبا هي الطبق الرئيسي على مائدته. والقادم أعظم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات