الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالاوهام تستنزف السودان .. احمد عثمان جبريل

الاوهام تستنزف السودان .. احمد عثمان جبريل

سودان تمورو

يبدو أن مأساة السودان ليست في كثرة اللاعبين فقط، بل في كثرة الأوهام التي يتكي عليها كل لاعب وهو يجرّ البلاد نحو الهاوية.. أوهام القوة، وأوهام الشرعية، وأوهام الدعم الخارجي.. وفيما تُدار الحرب بهذه العقلية، يُستنزف السودان، ليس لأنه ساحة صراع، بل بوصفه دولة تُترك لتتآكل ببطء.
❝ حين تعجز النخب عن قراءة لحظة الانكسار، يتحول الدفاع عن السلطة إلى أسرع طريق لفقدان الدولة. ❞
— ابن خلدون

(1)
عبد الفتاح البرهان، جنرال يتصرف كمن يقود جيشًا في معركة مفتوحة، لا كرئيس يقف على رأس دولة تتشقق.. يرفض الاعتراف بأن الحرب غيّرت قواعد اللعبة، ويؤجل السياسة كأنها ترف مؤجل.. لكنه في الحقيقة يؤجل الحل، ويستنزف المؤسسة التي يقول إنه يحميها.. فالدولة لا تُدار بعقلية التعبئة الدائمة، ولا تُبنى بشرعية السلاح وحده.

(2)
الإسلاميون يعيشون أخطر أوهام هذا المشهد: وهم أن الحرب فتحت لهم باب العودة.. يتحدثون بلغة (الضرورة الوطنية) بينما يتحركون بمنطق الغنيمة المؤجلة.. لم يفهموا بعد أن المجتمع الذي خرج عليهم في 2019 لم يُهزم، وأن الدم الذي سال منذ ذلك التاريخ لا يمكن القفز فوقه بخطاب تعبوي أو اصطفاف عسكري.

(3)
العلاقة بين البرهان والإسلاميين لم تعد تحالفًا، بل عبئًا متبادلًا.. هو يستخدمهم دون أن يثق بهم، وهم يلتصقون به بذات الإحساس، وكذلك دون أن يملكوا القدرة على فرض شروطهم.. كل طرف ينتظر لحظة التخلص من الآخر، وفي هذا الانتظار تُدار الدولة بلا بوصلة، ويُستهلك الجيش، وتُفتح شقوق جديدة داخل معسكر واحد يفترض أنه متماسك.

(4)
مصر تدعم البرهان لأنها ترى فيه آخر حائط صدّ قبل الفوضى، لكنها لا تراه مشروع حكم.. القاهرة تريد جيشًا منضبطًا يحفظ الدولة، لا تحالفًا يعيد الإسلاميين ولا سلطة بلا أفق سياسي.. دعمها مشروط بالصمت أكثر مما هو مشروط بالإصلاح، وهذا الصمت – مهما طال – لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.

(5)
أما السعودية وأمريكا، فموقفهما ليس موقفين منفصلين كما يُشاع، بل مسار واحد ولكنه بأدوات مختلفة.. فالرياض تنظر إلى السودان من زاوية الاستقرار الإقليمي(أمن البحر الأحمر) ومنع تحوله إلى ساحة فوضى مفتوحة، أو منصة لقوى معادية.. وواشنطن تنظر إليه بمنظار إدارة الأزمات:” وقف الحرب، تقليص الكارثة الإنسانية، ومنع تمدد الفوضى:.. كلاهما يرى في البرهان خيارًا اضطراريًا لا خيارًا مفضّلًا، ويشتركان في شرط واضح أبلغ به البرهان صراحة: “لا عودة للإسلاميين، ولا حكم عسكري بلا مسار سياسي”.

(6)
هذا التقاطع السعودي–الأمريكي يضع البرهان أمام معادلة صعبة: “الدعم موجود، لكنه مشروط، والوقت ليس مفتوحًا.. وكلما تأخر في فك ارتباطه السياسي بالإسلاميين، وتقديم تصور حقيقي للانتقال، تراجع رصيد هذا الدعم. إذا الخارج لا يدعم أوهامًا طويلة العمر، بل يبحث عن مخارج تقلل الخسائر، ولو على حساب الأشخاص.

(7)
تركيا تتحرك في الهامش بين هذه القوى، محاولة لعب دور الوسيط لا المنقذ.. تعرف أن الإسلاميين انتهى زمن حكمهم، وتعرف أن العسكر لا يستطيعون البقاء وحدهم.. لكنها تصطدم بحقيقة سودانية مؤلمة: ” هناك أطراف لا تزال تفاوض بعقلية الغلبة، لا بعقلية الدولة.

بقى أن نقول، أن السودان لا ينهار لأنه بلا حلفاء، بل لأنه محكوم بقيادات ترفض الاعتراف بنهاية أوهامها.. البرهان إن لم يتحول من قائد حرب إلى رجل تسوية، سيجد نفسه مدعومًا حتى لحظة التخلي عنه.. والإسلاميون إن لم يعترفوا بأن زمنهم السياسي انتهى، سيبقون مجرد وقود في معركة لا يملكون قرارها.. أما الخارج، فسيغادر حين يكتمل الخراب، تاركًا السودانيين وحدهم أمام سؤال متأخر:” لماذا صدّقنا الأوهام أكثر مما صدّقنا الدولة؟”.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات