الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالغموض درعٌ لا يخترق!.. بقلم سعد الدين عطية الله

الغموض درعٌ لا يخترق!.. بقلم سعد الدين عطية الله

 

سودان تمورو

بعد كل تلك التفاهمات وبعد كل تلك البعثات التفتيشية، وبعد كل تلك الجولات من المفاوضات التي سمحت للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى مراكز حساسة، كانت المكافأة الوحيدة لإيران هي صواريخ وطائرات مسيرة تستهدف منشآتها النووية في وضح النهار. هذه ليست مجرد مفارقة، بل هي خلاصة درس دامٍ كتبته أصوات الانفجارات: فالشيطان الذي تعرفه، مهما بلغت خطورته، ليس كالشيطان المجهول. لكن العدو الذي يعرفك ويطلق عليك النار أخطر من عدو يخشاك ولا يعلم مدى قوتك. لقد تحولت الشفافية والإجراءات البناءة التي قدمتها طهران سابقاً إلى سلاح ذي حدين: فبينما كانت تهدف إلى بناء الثقة، كانت تُستخدم لرسم خرائط أكثر دقة للأهداف. فلماذا تُعَرض المنشأة التي يعرف خصمك كل مداخلها ومخارجها للخطر، بينما يبقى المجهول محمياً بهالة من التردد والحسابات المعقدة؟ إن الهجوم الأمريكي لم يكن فقط عدواناً على منشآت نووية إيرانية، بل كان اعتداء صارخاً على كل منطق يقضي بأن الانفتاح والامتثال يضمنان الأمن. لقد كُسرت القاعدة، وانهارت المعادلة الساذجة التي تروج لها بعض الأطراف الدولية. فالعدو الذي لا يتورع عن ضرب منشآت نووية معلنة ومُفتَشة، وهو يعلم خطورة عواقب ذلك البيئية والأمنية، هو عدو لا تربطه أية مرجعية أخلاقية أو قانونية. فما الفائدة من تقديم ضمانات لمن لا يرى في الاتفاقيات سوى أوراق تُمزق حينما تشاء المصالح، ولا يرى في المفتشين سوى جواسيس يجمعون المعلومات تحت غطاء قانوني؟ المطالبة بإدانة الوكالة للهجوم قبل أي تفتيش جديد ليست مناورة سياسية، بل هي اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي: إما أن تكون المؤسسة الدولية حارساً للقانون وحامياً للمنشآت السلمية، وإما أن تكون أداة انتقائية تُستخدم لفرض الأجندات. إن التاريخ يعلمنا أن القوة التي يمكن حسابها قوة يمكن تدميرها، أما القوة المحاطة بهالة من الغموض الاستراتيجي فهي التي تفرض الاحترام وتولد حالة من “الردع الصامت”. لقد أثبتت الأيام أن الخوف الغربي الحقيقي لا ينبع من برنامج معلن وخاضع للرقابة، بل من المجهول الذي لا تستطيع أجهزة استخباراته قياسه ولا محاكاة عواقبه. هذا الغموض ليس ضعفاً ولا تخفياً، بل هو فلسفة استراتيجية عاقلة في عالم تسوده فوضى المعايير المزدوجة، حيث يُعاقب البعض على الاشتباه بينما يُغض الطرف عن امتلاك آخرين لترسانات فعلية. إنه رد طبيعي على منطق القوة الذي لا يفهم سوى لغة الندرة. إن سياسة “الغموض النووي” الإيرانية، في هذه المرحلة الدقيقة، لم تعد مجرد خيار من بين خيارات، بل أصبحت ضرورة أمنية قومية عليا. إنها الجدار الواقي الذي يحول دون تحول أي انفتاح مستقبلي إلى بوابة لخراب أمني. فطالما أن سيف العدوان مُسلط حتى على ما هو معلن وخاضع للرقابة، فليكن الرد هو تعظيم منطقة المجهول الاستراتيجي، وترك الخصم في دوامة من التكهنات التي تكبله عن أي عمل عسكري طائش. ففي لحظة الحسم، ليست التفاصيل الفنية هي التي تقرر، بل حجم الغموض وثمن المجازفة غير المحسوبة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات