الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيقراءة استراتيجية في معادلة التصعيد الإيراني–الأمريكي!.. بقلم سعد الدين عطية الله

قراءة استراتيجية في معادلة التصعيد الإيراني–الأمريكي!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو:

في لحظةٍ إقليمية ودولية يتصاعد فيها التوتر وتعلو فيها نبرة التهديد، يبدو سؤال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران والولايات المتحدة وكأنه السؤال المركزي للمرحلة. غير أن القراءة المتأنية لمعادلات القوة تشير إلى أن الانشغال بإمكانية الحرب يطمس السؤال الأهم: ما هي طبيعة الصراع الحقيقي الجاري، وأين تسعى واشنطن إلى حسمه؟ فبين التصعيد الخطابي والواقع الاستراتيجي مساحة واسعة تُدار فيها المعركة بأدوات أقل ضجيجاً وأكثر فتكاً من الصواريخ.

التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، رغم طابعها الاستعراضي، لا تُقرأ باعتبارها مقدمة حتمية لحرب شاملة. فالولايات المتحدة تدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران يعني فتح جبهة عالية الكلفة في إقليم شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح الدولية مع خطوط النار، وتتسع فيه رقعة الرد خارج نطاق السيطرة. ما نشهده هو إدارة مدروسة للتصعيد، هدفها الردع والضغط وليس الانفجار، عبر خلق مناخ دائم من التهديد يمنع إيران من توسيع ردودها، ويُبقي المنطقة على حافة الهاوية دون السقوط فيها.

لكن جوهر الاستراتيجية الأمريكية، خاصة في ظل دونالد ترامب، لا يكمن في الخيار العسكري بقدر ما يتمركز في سلاح آخر: الخنق الاقتصادي طويل الأمد. فترامب لا يسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني عبر حرب تقليدية، بل إلى إنهاكه من الداخل، عبر تجفيف موارده، وتعطيل قدرته على تحقيق أي اختراق اقتصادي ملموس، ودفع المجتمع الإيراني إلى فقدان الثقة في إمكانية الإصلاح وتحسين الأوضاع المعيشية ضمن الإطار القائم. إنها حرب تستهدف المزاج العام بقدر ما تستهدف الدولة، وتراهن على أن الضغوط المتراكمة ستفعل ما لا تفعله القاذفات.

في هذا السياق، تصبح العقوبات أداة مركزية لإعادة تشكيل الداخل الإيراني، لا مجرد وسيلة ضغط تفاوضي. الهدف ليس فقط تقليص الدور الإقليمي لطهران، بل خلق حالة من الاختناق الاقتصادي تُترجم إلى احتقان اجتماعي، ثم إلى تساؤلات داخلية حول جدوى الصمود وكلفة المواجهة. تراهن واشنطن على أن الزمن يعمل لصالحها، وأن استمرار الأزمة الاقتصادية سيُضعف الثقة الشعبية في قدرة النظام على إدارة الاقتصاد، حتى وإن احتفظ بقدراته الأمنية والعسكرية.

ويقدّم ترامب نفسه، عن قصد، بوصفه لاعباً غير قابل للتنبؤ، يرفع سقف المخاطرة ويكسر القواعد التقليدية في السياسة الدولية. هذه الصورة، التي كثيراً ما توصف بالتهور، تخدم وظيفة واضحة: إبقاء الخصم في حالة قلق دائم من الانزلاق غير المقصود نحو التصعيد، ودفعه إلى تقديم تنازلات تحت ضغط الخوف من الأسوأ. غير أن هذه “العشوائية” الظاهرية لا تلغي حقيقة أن القرار الأمريكي، خصوصاً العسكري، يظل محكوماً بحسابات دقيقة للكلفة والعائد. فحرب إيران لا تنسجم مع منطق “أمريكا أولاً”، ولا مع المزاج الداخلي الأمريكي المتعب من حروب الشرق الأوسط المفتوحة.

في المقابل، تدرك إيران أن أخطر ما تواجهه ليس القصف المباشر، بل استنزاف الداخل. لذلك توازن بين الإستعداد للحرب الشاملة وبين بناء قوة ردع تجعل أي عدوان خياراً شديد الكلفة. جاهزيتها العسكرية، وقدراتها المختلفة، وانتشار نفوذها الإقليمي، كلها عناصر تهدف إلى رفع ثمن المواجهة إلى مستوى يردع الخصم عن الذهاب بعيداً. وفي الوقت نفسه، تحاول إدارة الصراع بحكمة تمنع واشنطن من تحويل الضغط الاقتصادي إلى انفجار داخلي شامل.

وعليه، فإن الجواب على سؤال “هل ستقع الحرب؟” يبقى معلقاً في منطقة رمادية. إيران لا تريد الحرب، لكنها تستعد لها. والولايات المتحدة لا تريدها أيضاً، لكنها تستخدم شبحها كغطاء لحرب اقتصادية ونفسية طويلة النفس. المعركة الحقيقية ليست على جبهة عسكرية واضحة، بل في قدرة كل طرف على الصمود، وضبط الإيقاع، ومنع خصمه من تحقيق هدفه النهائي. والخطر الأكبر لا يكمن في قرار حرب مدروس، بل في سوء تقدير، أو خطأ حسابي، قد يحوّل لعبة الحافة إلى سقوطٍ فعلي في الهاوية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات