سودان تمورو:
وزير الثروة الحيوانية والسمكية السوداني، أحمد التيجاني المنصوري
ـ وضعنا استراتيجية خماسية تحتوي على حوالي 40 مشروعا
ـ نكنّ محبة خاصة للشعب الجزائري ومرحبا بالمستثمرين
ـ الحرب أثرت على اتفاقيات التعاون السابقة ونسعى إلى تفعيلها
ـ الاستثمارات ستكون في مناطق حرة تخضع لقوانين عالمية وليس محلية
ـ الحرب ستتوقف قريبا ويمكننا تصدير رؤوس الأغنام بطريقة آمنة
ـ نوفر منتجات عضوية وعالية الجودة لذلك تختلف أسعارها
في وقت تتجه فيه الجزائر إلى تنويع مصادرها وتعزيز شراكات استراتيجية مستدامة في قطاع الثروة الحيوانية، يُبدي الجانب السوداني اهتماما متزايدا بتطوير التعاون مع الجزائر، على أسس تقوم على المنفعة المتبادلة وتكامل المصالح.
ولتسليط الضوء على فرص هذا التعاون، رهاناته، وآفاقه في ظل التحديات الراهنة التي يمر بها السودان، نتحاور مع وزير الثروة الحيوانية والسمكية السوداني، أحمد التيجاني المنصوري.
ـ أعلنتم مؤخرا عن خطة استراتيجية لتطوير قطاع الثروة الحيوانية والسمكية، كيف تترجمون، كوزارة، رغبة السودان في التعاون مع الجزائر ضمن هذه الرؤية الجديدة؟ وهل تم إشراك الفاعلين المحليين في بلورة هذه الاستراتيجية؟
تُعَدّ الجزائر دولة شقيقة للسودان، وتربط بين البلدين علاقات ودٍّ متراكمة وصداقات تاريخية ضاربة في العمق منذ زمن المناضلة جميلة بوحيرد. كما يحظى الشعب الجزائري بمحبة خاصة لدى الشعب السوداني.
نحن نرحب بتجديد أواصر الصلة وتعزيز التقارب والتعاون الاقتصادي بين البلدين الشقيقين، خاصة وقد وضعنا مؤخرا، خطة استراتيجية متكاملة لتطوير قطاعي الثروة الحيوانية والسمكية في السودان، في إطار رؤية جديدة تقوم على أسس علمية وعملية، مع إشراك الفاعلين المحليين في بلورة هذه الاستراتيجية.
في هذا السياق، توجد رغبة حقيقية لدى السودان في التعاون مع الجزائر ضمن هذه الرؤية الطموحة، المتمثلة في استراتيجية خماسية تمتد لخمس سنوات، تضم نحو أربعين مشروعا مختلفا في مجال تطوير الثروة الحيوانية.
الاستراتيجية صيغت بأسلوب تنفيذي عملي، حيث خُصِّص لكل مشروع من هذه المشاريع خطة تنفيذ واضحة تتضمن أهدافا محددة، بإشراف مدير وفي إطار زمني محدد وميزانية معتمدة. كما تُعقد اجتماعات أسبوعية مع مديري المشاريع لمتابعة التنفيذ والتأكد من سير العمل وفق الخطط الموضوعة.
وتم الاتفاق مع ولاة ست ولايات حتى الآن على إنشاء مدن للإنتاج الحيواني داخل مناطق حرة. ويتولى المركز السعودي للبحوث والاستراتيجيات إعداد دراسات جدوى شاملة لكل مدينة، بما تتضمنه من مشروعات، مثل مزارع الألبان، ومزارع تسمين الماشية من الأبقار والضأن والماعز والإبل، إضافة إلى مشروعات الاستزراع السمكي.
ونؤكد ترحيبنا الكامل بالإخوة الجزائريين الراغبين في الاستثمار في السودان، سواء في هذه المدن أو في أي من المدن التابعة للإنتاج الحيواني، والواقعة تحت إشراف وزارة الثروة الحيوانية والاستزراع السمكي، بما يعزز الشراكة الاقتصادية ويخدم مصالح البلدين الشقيقين.
ـ شهدت العلاقات الثنائية سابقا توقيع اتفاقيات تعاون بين الجزائر والسودان في قطاع الثروة الحيوانية، غير أن تنفيذها عرف تعثرا. ما الأسباب التي حالت دون استمرار هذه الاتفاقيات؟
لقد كان للحرب أثرٌ كبير في تعثّر تنفيذ هذه الاتفاقيات، إلا أننا نحمد الله اليوم، ومع بروز حكومة الأمل وعودة الحكومة إلى مباشرة أعمالها من الخرطوم، فإننا نؤكد حرصنا الشديد على هذه الاتفاقيات وعلى تفعيلها بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين، السودان والشعب الجزائري الحبيب.
وانطلاقا من ذلك، نرى أن من الممكن تفعيل هذه الاتفاقيات في وقتها المناسب، مع تحديد أهداف واضحة لها، بما فيه الخير والمنفعة للعباد في البلدين الشقيقين.
ـ هل تتوفر لديكم معطيات تقريبية حول حجم الثروة الحيوانية في السودان بعد اندلاع الحرب؟ وكيف تقيّمون مستوى الطلب العالمي على هذه الموارد، لاسيما من دول مثل الجزائر التي تبحث عن شراكات مستدامة في هذا القطاع؟
لا يوجد في الوقت الراهن تعداد دقيق يمكن الرجوع إليه بشأن الثروة الحيوانية في السودان، إذ يعود آخر تعداد رسمي إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث قُدِّرت أعداد الماشية آنذاك بنحو 125 مليون رأس. وقد تم مؤخرا الاتفاق مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) لإعادة إجراء تعداد شامل للثروة الحيوانية في السودان، إلا أن الأمر قد يتأخر بعض الشيء، نظرا لأن نحو 85% من الثروة الحيوانية تتركز في مناطق غرب البلاد، ولا سيما ولايتي كردفان ودارفور، مما يجعل عملية الإحصاء في الوقت الحالي بالغة الصعوبة.
وبحسب تقديراتنا، فإن العدد الحالي للثروة الحيوانية يفوق 140 مليون رأس. فإذا كان التعداد في عام 1973 يقارب 120 مليون رأس، وبافتراض معدلات التكاثر الطبيعية، حيث تلد الأبقار مولودا واحدا سنويا، وتلد النعاج ثلاثة مواليد كل سنتين، وتلد الأغنام أربعة مواليد كل سنتين، فإن هذه الأعداد ــ مهما حدث من نفوق ــ لا يمكن أن تبقى عند المستوى ذاته الذي كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي.
ومن أبرز مميزات الثروة الحيوانية في السودان أنها تتغذى على مراعي طبيعية خالية تماما من أي مواد كيميائية، سواء كانت مبيدات حشرية أو فطرية أو مخصبات للتربة. ولذلك تتميز اللحوم السودانية بطعمها الخاص والفريد مقارنة بلحوم دول أخرى، وهو أمر يتفق عليه جميع مستهلكيها.
وبالتأكيد، نحن حريصون على تحسين الجودة بشكل مستمر، ومن المتوقع أن تنال جميع المسالخ قريبا شهادة «الأورغانيك» العالمية. وهذه الشهادة تمنحها شركات عالمية مقرها في الدنمارك وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، حيث ستقوم فرق متخصصة من هذه الشركات بزيارة المسالخ والمزارع والمراعي للتأكد من استيفاء المعايير المطلوبة قبل منح الشهادة.
نهيب بالمستثمرين الجزائريين الكرام الدخول في هذه الاستثمارات التي تحقق المنفعة المتبادلة للطرفين، ونؤكد أن من واجبنا تسهيل جميع الإجراءات اللازمة لهم.
وفي هذا الإطار، يعمل حاليا المركز السعودي للبحوث والاستراتيجيات على إعداد منظومة متكاملة من شأنها تجنيب المستثمرين التعامل المباشر مع أي موظف في الوزارة، بحيث يمكن إنجاز جميع العمليات والطلبات المتعلقة بإصدار التراخيص والموافقات وتخصيص الأراضي وغيرها من الإجراءات عبر آليات مبسطة وواضحة.
كذلك، فإن مدن الإنتاج الحيواني موزعة على ولايات تقع ضمن مناطق حرة، الأمر الذي يطمئن المستثمر الجزائري بأن استثماراته ستكون في مناطق لا تخضع لقوانين جمهورية السودان المحلية، وإنما لقوانين وأنظمة عالمية معتمدة، بما يعزز الثقة ويشجع على الاستثمار.
ـ في ظل هذه الظروف الاستثنائية، إلى أي مدى ترون أن فرص الاستثمار في قطاع الثروة الحيوانية ما تزال قائمة وقادرة على استقطاب شركاء أجانب؟ وما الإطار القانوني الذي من شأنه تأطير التعاون مع الجزائر؟
نعم، توجد فرص كبيرة وواعدة للاستثمار في قطاع الثروة الحيوانية ضمن مدن الإنتاج الحيواني المقامة في المناطق الحرة، وذلك في ظل تهيئة ظروف إنتاجية عالية. وفي هذا الإطار، نعتزم استيراد أبقار ذات أصول أوروبية، سواء لإنتاج الألبان أو لإنتاج اللحوم، حيث يبلغ متوسط إنتاج الأبقار الأوروبية نحو 8000 لتر من الحليب سنويا، إضافة إلى إنتاج لحوم يتراوح بين 450 و500 كيلوغرام للرأس الواحد. ومن شأن هذه الإنتاجية العالية أن تحقق عوائد وأرباحا مجزية، لا سيما في ظل انخفاض تكاليف العمالة في السودان مقارنة بأوروبا والعديد من الدول الأخرى.
أما فيما يتعلق بالإطار القانوني لهذه الشراكة، فإنه يقوم على اتفاقية الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وهي صيغة تعاقدية تتيح تعاونا منظما ومتكافئا بين الدولة والمستثمرين من القطاع الخاص، بما يحقق المصالح المشتركة ويضمن استدامة المشاريع.
ـ وفقا للرؤية الجديدة التي تعملون عليها، هل يتجه السودان نحو شراكات استثمارية طويلة الأمد، أم نحو تعاون تجاري مرحلي؟ وما المجالات التي ترونها أكثر قابلية للتعاون: التربية، التسمين، التحويل، أم التصدير؟
نحن نُفَضِّل الشراكات الاستثمارية التي تحقق المنفعة المتبادلة للطرفين، ونرى أن المجالات الأكثر قابلية للتعاون تتمثل في تربية الماشية، والتسمين، وإنتاج الألبان.
ـ ما أبرز التحديات التي قد تعيق تجسيد هذا التعاون على أرض الواقع؟ وما الشروط التي تعتبرونها ضرورية لضمان نجاحه واستدامته؟ وماذا عن التعاملات المالية؟
كما ذكرتُ آنفا، فإن التعاملات المالية تخضع لقوانين المناطق الحرة، وليس لقوانين جمهورية السودان، وهي قوانين أكثر مرونة وتوفّر حوافز وتشجيعا أكبر للمستثمرين.
ـ بخصوص الوضع الوبائي والرقابة البيطرية في ظل توقف المختبرات المركزية في الخرطوم. ماهي ضمانات خلو المواشي من الأمراض العابرة للحدود؟
تم الاتفاق مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) على إعادة تأهيل المختبر المركزي في سوبا، على أن يبدأ العمل فيه اعتبارًا من نهاية شهر فيفري، إن شاء الله. وبناءً على ذلك، سيتم تطعيم الحيوانات المخصصة للتصدير ضد جميع الأمراض المطلوبة وفق المعايير المعتمدة.
ـ إلى أي مدى تسمح القدرات الإنتاجية والتشغيلية للسودان بأن يكون طرفا فاعلا في تزويد الجزائر برؤوس الأغنام، مقارنة بالأسواق الأوروبية التي تعتمد عليها الجزائر حاليا؟ وهل يمكن للسودان أن يكون شريكا مكمّلا أو خيارا إضافيا أو حتى بديلا في هذا الإطار؟
بالتأكيد، فإننا في وزارة الثروة الحيوانية نحرص على أن تحصل جميع المسالخ والمزارع ومدن الإنتاج الحيواني على الشهادات العالمية، مثل الأيزو (ISO) والهاسب (HACCP) والأورغانيك (Organic)، وهو ما يؤهل السودان للتصدير إلى جميع دول أوروبا، وإلى الجزائر على وجه الخصوص. ويشكّل ذلك عامل طمأنة كبيرا للمستثمرين الراغبين في الدخول معنا في شراكات استثمارية تقوم على المنفعة المتبادلة.
بقرار من الرئيس تبون.. استيراد مليون رأس غنم تحسبا لعيد الأضحى
ويُضاف إلى ذلك أن جميع اللحوم التي يتم ذبحها في السودان تُذبح وفق أحكام الشريعة الإسلامية وبطريقة حلال، وهو أمر يولي له الشعب الجزائري أهمية خاصة باعتباره شعبًا مسلمًا، مما يعزز فرص التعاون ويزيد من الثقة في المنتجات السودانية.
ـ ماذا عن كيفية نقل الماشية من مناطق الإنتاج (كردفان ودارفور) التي تشهد اشتباكات، إلى ميناء التصدير؟ وهل البنية التحتية للميناء قادرة على استيعاب طلب جزائري ضخم؟
من المتوقع، بإذن الله، أن يتم إيقاف هذه الحرب اللعينة قريبا، إذ إن جميع الأطراف حريصة على إنهائها، سواء الولايات المتحدة الأمريكية، أو المملكة العربية السعودية، أو جمهورية مصر العربية، أو تركيا.
أما في الوقت الحالي، فإن نقل المواشي من ولايتي كردفان ودارفور قد يواجه بعض الصعوبات، إلا أننا نتوقع انتهاء الحرب خلال أسابيع قليلة، بما يتيح عودة الحركة بصورة طبيعية.
وفيما يتعلق بالولايات الآمنة، فإن ولايات النيل الأزرق، والنيل الأبيض، والخرطوم، وسنار، وكسلا، ونهر النيل، والشمالية، والجزيرة، تُعد جميعها ولايات مستقرة وآمنة، وتتوفر فيها كميات كبيرة من الثروة الحيوانية، ولا توجد أي عوائق تحول دون التصدير منها.
وبناء على ذلك، يمكن شحن الحيوانات من مناطق الإنتاج إلى مناطق التصدير بكل يسر، حيث يتوفر ميناء متكامل ومجهز لتصدير الحيوانات إلى مختلف دول العالم، بما في ذلك الجزائر، لتصل إليها بسلام وأمان.
ـ كيف تطمئنون الشركاء المحتملين في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي يمر بها السودان؟
شرعت حكومة الأمل في تطوير الإنتاج الحيواني والثروة المعدنية والنفطية، وذلك بحرص وكفاءة عالية، مستندةً إلى خطة استراتيجية واضحة. جميع الوزراء يحملون شهادات عليا في مجالات متنوعة، ما يعزز الثقة بأن هذه الاستراتيجية سيتم تنفيذها بكفاءة وفعالية.
نطمئن المستثمرين والمستهلكين على حد سواء بأن منتجات الثروة الحيوانية — من لحوم وبيض وعسل ودواجن وأسماك — ستكون مطابقة للمواصفات العالمية. وسيتمكن المستهلك الجزائري من التمتع بمنتجات عالية الجودة، حلال وعضوية في الوقت نفسه.
أما الشركاء المحتملون، فنؤكد لهم أن مناطق الإنتاج الحيواني تقع ضمن مناطق حرة، وأن هذه الاستراتيجية وُضعت بطريقة تنفيذية لأول مرة في تاريخ السودان. وقد تم تدريب الكوادر الإدارية والفنية في وزارة الثروة الحيوانية على إدارة المشاريع وتنفيذها، مما يجعل نجاح هذه المبادرة بإذن الله أمرًا متوقعًا.
ـ من خلال حديثكم عن الجودة العالية للمنتجات وأنها عضوية فأكيد أن الأسعار لن تكون في متناول الجميع؟
من الطبيعي أن تكون أسعار المنتجات العضوية أعلى من المنتجات العادية، وهذا أمر شائع حتى في الدول الأوروبية، حيث تزيد عادة بنسبة 30 إلى 40٪. وفي بعض دول الخليج، قد تكون الفجوة أكبر.
على سبيل المثال، كيلوغرام الطماطم العادية يباع بسعر 6 إلى 7 دراهم، بينما الطماطم العضوية قد يصل سعرها إلى 24 أو 25 درهم، أي ثلاثة إلى أربعة أضعاف، نظرا لارتفاع تكلفة إنتاجها. وبطبيعة الحال، هذه المنتجات ليست مخصصة لكل المستهلكين، بل لأولئك الذين يبحثون عن الجودة العالية والمنتجات الصحية.
ـ ما هي الرسالة التي توجهونها للجزائر، رسميا وشعبيا، بخصوص التعاون المقترح؟
إلى الشعب الجزائري الشقيق…
إلى أرض المليون ونصف المليون شهيد…
إلى الجزائر التي علّمت الأمة معنى الصمود والكرامة، أتوجه إليكم اليوم، باسم وزارة الثروة الحيوانية والسمكية بجمهورية السودان، وباسم الشعب السوداني الذي يكنّ لكم كل الحب والتقدير، بأصدق التحايا وأطيب الأمنيات، راجين من الله أن يديم عليكم نعمة الأمن والاستقرار والوحدة، وأن يحفظ الجزائر حكومةً وشعباً، ويزيدها تقدما وازدهارا.
أيها الإخوة والأخوات في الجزائر الشقيقة…
إن السودان والجزائر ليسا مجرد بلدين تجمعهما الجغرافيا أو اللغة أو الانتماء العربي والإفريقي فحسب، بل هما أمتان تربطهما عواطف وأواصر ضاربة الجذور في التاريخ؛ أواصر قامت على معاني الأخوة الصادقة، وعلى المواقف المشرفة، وعلى الاحترام المتبادل، وعلى وحدة المصير والتطلعات.
لقد ظل الشعب السوداني، منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم، يحمل في وجدانه تقديرا كبيرا للجزائر ولشعبها العظيم، ويستحضر بكل فخر واعتزاز تلك المرحلة المجيدة من تاريخ الجزائر حين خاضت ثورتها التحريرية المباركة ضد الاستعمار، وقد كان السودان شعبا وقيادة من الشعوب التي ساندت ثورة الجزائر، ووقفت مع حقها في الحرية والاستقلال، انطلاقاً من إيماننا العميق بأن حرية الجزائر كانت حريةً للأمة كلها، وأن انتصارها كان انتصارا للعدل والكرامة.
ولهذا فإننا لا نذكر الجزائر إلا ونذكر معها العزة والتضحيات والتاريخ المشرق، ونقول لإخوتنا الجزائريين: إن السودان لم ينسَ مواقف الجزائر، كما لم ينسَ دعاءه للجزائر، ولم ينسَ أنها كانت ولا تزال ركيزة أساسية من ركائز العروبة والإفريقية، وصوتا قويا للحق والقضايا العادلة.
إن روابط المحبة بين شعبينا ليست سياسية فقط، بل هي روابط وجدانية وشعبية حقيقية. وأكبر دليل على ذلك أن السودانيين ظلوا عبر السنين يعبّرون عن محبتهم للجزائر في كل المجالات، وحتى في الرياضة — حيث أصبح من المألوف أن تجد السودانيين يشجعون المنتخب الجزائري في مبارياته، ويفرحون لفوزه، ويتألمون لخسارته، وكأن الأمر يتعلق بفريقهم الوطني؛ وذلك لأن الجزائر بالنسبة للسودانيين ليست دولة بعيدة، بل هي أخت كبرى، وبيت عربي كريم، وعمق وجداني أصيل.
إننا نؤمن أن العلاقات بين السودان والجزائر يجب أن تتجاوز مستوى المجاملات الرسمية لتتحول إلى شراكة استراتيجية قوية في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والغذائية، وأن هذا هو الوقت الأنسب لتعزيز التعاون، وخاصة في قطاع الأمن الغذائي، الذي أصبح اليوم إحدى أهم معارك المستقبل.
وفي هذا الإطار، يسرّني أن أعلن أمامكم بكل وضوح أن وزارة الثروة الحيوانية والسمكية في السودان على أتم الاستعداد لتلبية احتياجات الجزائر الشقيقة من اللحوم السودانية، سواء للاستهلاك اليومي أو لمواسم الطلب المرتفع، وذلك عبر شراكات مباشرة مع المؤسسات الجزائرية المعنية، وبما يضمن جودة المنتج، وسلامة الإمداد، واستمرارية التوريد، وفق أعلى المواصفات الصحية والبيطرية المطلوبة.
الشروق
