سودان تمورو
مرة أخرى، تجد القارة الأفريقية نفسها أمام اختبار صعب لتحديد موقعها ودورها، في ظل مؤشرات على تحولات عميقة محتملة في النظام الدولي. وباعتبارها من أكثر قارات العالم هشاشةً وانكشافًا أمام تداعيات الاضطرابات العالمية، تواجه أفريقيا تحدي تجاوز اختلالاتها البنيوية والانخراط الفاعل في هذه اللحظة الفاصلة.
وتتجدد الصدمات مع سياسات إدارة ترامب؛ إذ لم تتعافَ القارة بعد من مواقفه السالبة خلال ولايته الأولى، ولا من انسحاب الولايات المتحدة من منظمات دولية متعددة الأطراف، وهي الخطوة التي تأثرت بها قارة أفريقيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وقد تعمّق هذا المأزق مع طرح ما سُمّي “مجلس السلام” على هامش منتدى دافوس 2026، بالتوازي مع نشر “وثيقة الدفاع الوطني الأميركية” (NDS 2026) الصادرة عن البنتاغون في الـ23 من كانون الثاني/ يناير.
وفي هذه الوثيقة، ورد ذكر أفريقيا عرضاً وفي سياق أمني ضيق، جرى فيه تقديم القارة بوصفها مصدرًا محتملًا للتهديد، ولا سيما عبر مخاطر الإرهاب واحتمال تحوّل بعض أقاليمها إلى ملاذات آمنة قد تهدد الأراضي الأميركية، بدلًا من التعامل معها كشريك دولي فاعل. وبهذا، تجد أفريقيا نفسها أمام مأزق مضاعف: تهميش سياسي من جهة، وتأطير أمني اختزالي من جهة أخرى.
سياسة ترامب ونظام دولي مضطرب
لم يعد النظام الدولي في طور انتقال عابر تنتظر أفريقيا مآلاته، بل بات نظاماً متداعياً؛ إذ يتعرض ما يُعرف بـ”النظام القائم على القواعد” لهزات عنيفة قد تفضي إلى تلاشيه.
وفي هذا السياق، تبدو سياسات إدارة ترامب أكثر فوضوية، ولا تولي القارة الأفريقية أي اهتمام يُذكر، إن لم تكن تتعامل معها باعتبارها خارج حسابات المكانة والدور.
تجد أفريقيا نفسها عالقة بين مسارات محدودة: أولها تجاهل ترامب وازدراؤه، وثانيها أوروبا المنشغلة بإعادة ترتيب أولوياتها، والساعية قسراً إلى تقليص اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، ما يجعل الاتكاء عليها خيارًا محفوفًا بالمخاطر، وثالثها البحث عن شركاء جدد خارج بنية النظام الدولي القائم، بما يحمله من استمرار هيمنة غربية تاريخية همّشت القارة واستغلتها لعقود طويلة.
وفي مسار أكثر تعقيدًا، أفريقيًا، تبرز الحاجة إلى بناء قدرات ذاتية في المجالين الدفاعي والأمني، أو مواجهة فراغ استراتيجي يتفاقم في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تعصف بالقارة.
عمليًا، يواجه العالم تداعيات سياسات ترامب؛ فإذا كانت أوروبا مهددة بفقدان المظلة الأمنية الأميركية، فإنها مضطرة في المقابل إلى السعي نحو استقلالها الدفاعي والاقتصادي. وفي هذا السياق، يصبح الاعتماد على أوروبا وحدها خيارًا غير مضمون بالنسبة لأفريقيا، وهي التي ظلت على هامش النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تكافح من دون جدوى من أجل إصلاحه، أو بناء نظام أكثر عدالة يضمن لها تمثيلًا عادلًا.
وعليه، فإن مأزق أفريقيا اليوم لا يتمثل فقط في نزعة الاتكالية على ما يُسمّى “الشركاء الدوليين”، بل في العوامل الهيكلية الداخلية التي تعيق تحويل هذه التحولات إلى فرصة للتحرر وبناء الاستقلال في القضايا الحيوية. ففي الوقت الذي تنظر فيه قوى أخرى، كأوروبا، إلى سياسات ترامب باعتبارها دافعًا لتعزيز الاستقلال الذاتي، تظل أفريقيا أسيرة الانتظار والعجز.
ويتعاظم هذا المأزق بفعل اختلالات داخلية متراكمة، أبرزها غياب القيادة القارية المؤثرة، وتفكك النظام الإقليمي، وتراجع روح الجامعة الأفريقية (البان- آفركاينزم)، واستمرار الصراعات والحروب، وتآكل الدولة الوطنية، إلى جانب العجز المزمن عن الانفكاك من هيمنة القوى الخارجية ووصايتها.
“مجلس ترامب للسلام”
ما تزال ردود الفعل الأفريقية إزاء هذه الخطوة غائبة وغير واضحة. وحتى الآن، لم يصدر موقف صريح من دول القارة الكبرى، باستثناء الترحيب الذي أعلنته مصر والمغرب بالانضمام إلى المجلس. غير أن هذا الترحيب يُقرأ في سياق شرق أوسطي أكثر منه تعبيرًا عن موقف أفريقي جامع، رغم ثقل الدولتين في السياسة الأفريقية ومؤسساتها.
ويمكن فهم هذا الغموض والتردد الأفريقيين في ضوء السجل السلبي لترامب تجاه القارة، ما يدفع الدول والمؤسسات الأفريقية إلى التريث قبل الإقدام على خطوات متسرعة، مثل الانضمام إلى “مجلس السلام”، وهي خطوة تنطوي على مخاطر غير محسوبة العواقب.
في ظل الفوضى التي يشهدها النظام الدولي، تبدو حيرة القارة مفهومة؛ فالمجلس ارتبط أساسًا بملف إعادة إعمار غزة بعد حرب وأحداث الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبنقاشات حول إرسال قوات إلى القطاع، وهي قضايا لا تقع ضمن أولويات أفريقيا الملحّة. فضلًا عن ارتباط المجلس بشخصية ترامب وسياساته المتقلبة ونظرته السالبة للقارة.
إضافة إلى ذلك، يظل “مجلس السلام” كيانًا غامض الأهداف، بلا أساس قانوني دولي واضح أو ميثاق قائم على توافق أو إجماع، ويُطرح أحيانًا كبديل للنظام الدولي القائم أو حتى للأمم المتحدة. وعليه، فإن أي قرار أفريقي غير مدروس، قد يعرّض مصالح الدول والمؤسسات الأفريقية وعلاقاتها مع أطراف دولية أخرى ومع الأمم المتحدة للخطر.
ورغم ذلك، فإن إعلان المجلس ومحاولات استقطاب دول لعضويته وتفعيل آلياته تثير مخاوف حقيقية في القارة، خاصة في ضوء سوابق مثل التهديد بضم “غرينلاند” أو تفكيك الشراكات مع أوروبا. ويخشى بعض الدول الأفريقية أن يصبح هدفًا لاحقًا لتدخلات تحت ذرائع مثل “حماية المسيحيين” أو “مكافحة الإرهاب”، كما حدث – حتى الآن – مع دول محورية في القارة الأفريقية كنيجيريا.
أفريقيا والأمن القومي الأميركي
كما عكست “وثيقة الأمن القومي” لعام 2025 تراجع أفريقيا في أولويات إدارة ترامب، أكدت “وثيقة الدفاع الوطني الأميركية” (NDS 2026) الاتجاه نفسه.
ففي فقرة “تقاسم الأعباء مع الشركاء” (ص 18–19)، تُختزل أولوية واشنطن في أفريقيا في منع جماعات “الإرهاب الإسلامي” من استخدام ملاذات آمنة إقليمية لشن هجمات على الأراضي الأميركية. وتضيف الوثيقة أن الولايات المتحدة ستبقى مستعدة لاتخاذ إجراءات مباشرة ضد من يهدد الداخل الأميركي، مع تمكين الحلفاء والشركاء لقيادة جهود إضعاف التنظيمات الأخرى.
تعكس هذه الصياغة نظرة أمنية ضيقة، تجعل من أفريقيا مصدرًا لتهديد محتمل لا شريكًا متكافئًا. كما توضح أن التدخل الأميركي سيكون مشروطًا بمدى تهديد المصالح الأميركية المباشرة، لا انطلاقًا من مبدأ المسؤوليات الجماعية أو التضامن الدولي. أما التهديدات التي تطال القارة وشعوبها، فتقع- وفق هذه الوثيقة – على عاتق الدول الأفريقية وحدها.
أفريقيا في حقبة “إمبريالية الموارد”
رغم توصيف أفريقيا كقارة “استراتيجية”، فإن هذه المكانة تُعرَّف وفق مبدأ “أميركا أولاً”: إما بوصفها مصدراً للتهديد، أو مخزنًا للموارد. ففي المنظور الترامبي، تبرز أهمية القارة لثرائها بالمعادن الحرجة وتأمين سلاسل توريدها، ومنافسة القوى الأخرى على الوصول إليها. وبهذا، تُدفع أفريقيا لأن تكون ساحة تنافس وصراع، لا شريكًا على قدم المساواة، ولا طرفًا يُمكَّن من استثمار موارده لمصلحة شعوبه.
وقد ينحصر الدور المتوقع للقارة – وفق “العقيدة الترامبية” – في مشاريع إعادة بناء القوة الصناعية الدفاعية الأميركية (ص 21)، وبشكل انتقائي يخدم مصالح واشنطن مع دول بعينها.
تبدو التحولات الراهنة في النظام الدولي فرصة مهدرة أخرى لأفريقيا، التي يتعمق تهميشها دوليًا، فيما تواجه أزمات داخلية معقدة. وكما يجادل عبدول محمد وسولومون درسو، وهما خبيران إثيوبيان بارزان في السياسة الأفريقية، فإن جوهر الأزمة يكمن في العجز عن الفعل وغياب رؤية أفريقية مشتركة وموقف استراتيجي موحد، في لحظة يتفكك فيها النظام الدولي وتتسع “جغرافيا الأزمات المتعددة” داخل القارة.
