الأحد, مايو 10, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتغريبة السودان الكبرى!.. بقلم حمد التميمي

تغريبة السودان الكبرى!.. بقلم حمد التميمي

سودان تمورو:

هل فكرت يوماً في معنى أن تفقد عنوانك؟ ليس مجرد ضياع ورقة، بل أن تستيقظ لتجد أن الوجهة الوحيدة المتاحة أمامك هي اللامكان. في السودان، لم يعد هذا سؤالاً فلسفياً، بل هو الخبز اليومي لملايين البشر. حين تصطدم بتقرير اليونيسف الأخير، لن تصدمك اللغة بقدر ما سيصدمك صمت العالم أمام حقيقة أن السودان يسجل اليوم أكبر عملية نزوح داخلي في العالم بأسره. نحن لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن أكثر من 9.5 مليون إنسان تم اقتلاعهم من جذورهم، ليتحول الوطن في أعينهم إلى خريطة من الخوف والترقب.

هذا الزلزال الوجودي يعيد تعريف الانتماء في 18 ولاية سودانية تعاني وطأة اللجوء والنزوح. الصدمة الحقيقية تكمن في الوجوه الصغيرة؛ إذ تشير الإحصائيات إلى أن 3 من كل 5 نازحين هم من الأطفال. هؤلاء الصغار، الذين يمثلون جزءاً من أكثر من 12.5 مليون شخص أجبروا على ترك منازلهم، لا يحملون في حقائبهم سوى أصوات المدافع. إننا لا نفقد مأوى فحسب، بل نفقد ذاكرة وطنية كاملة، حيث يواجه جيل كامل خطر الضياع بين مطرقة الرصاص وسندان الجوع والتهجير في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الكرامة.

إن هذا النزيف المستمر الذي دفع بـ 4 ملايين لاجئ إلى دول الجوار، يعكس حجم الضغط الذي بات يفوق قدرة أي جغرافيا على الاحتمال. ومع ذلك، يصر البعض على رؤية المشهد كأرقام إحصائية باردة، متناسين أن خلف كل واحد من هؤلاء الملايين قصة صمود ضاعت بين ركام المدن. إن المرارة التي يتجرعها السودانيون اليوم هي ضريبة واقع لم يختاروه، لكنهم باتوا وقوده الأول والأخير في صراع لا يرى في الإنسان سوى رقم في كشوف الخسائر البشرية.

وأتنبأ، في ظل هذا القتام، بأن السنوات القادمة ستشهد تحولاً في عقلية الشتات السوداني؛ فهذا النزوح المليوني سيخلق في المستقبل حالة من الانصهار الوطني القسري، حيث تذوب الفوارق الجهوية في مخيمات المعاناة المشتركة. أتوقع أن تنبثق من رحم هذه الأزمة قوى مدنية رشيقة تعلمت من قسوة الطرقات كيف تبني دولة لا مركزية صلبة، تعتمد على قوة الأطراف لا على هيمنة المركز، ليتحول السودان بمرور الوقت إلى نموذج عالمي في التعافي الذاتي الذي تصنعه إرادة الناس لا وعود المنظمات.

إن القصة الحقيقية للسودان لم تنته بوضع النقطة في تقارير اليونيسف، فما تراه اليوم من حشود ليس استسلاماً، بل هو رحلة بحث غريزية عن البقاء. تذكر دائماً أن هؤلاء الملايين الذين يفترشون الأرض الآن هم من سيصنعون السلام غداً؛ لأن من ذاق مرارة الضياع هو الوحيد الذي يقدر قيمة الاستقرار. السودان اليوم يضع في آخر سطر النزوح نقطة الواثق، مؤكداً أن الأرض التي احتضنت النيل آلاف السنين، لن تعجز عن احتضان أبنائها مجدداً حين يصمت الرصاص وتتكلم القلوب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات