سودان تمورو:
لا يمكن تناول قضية جيفري إبستين بوصفها حادثة جنائية معزولة أو انحرافًا فرديًا انتهى بموت صاحبه داخل زنزانة تحيط بها الشبهات، لأن ذلك التوصيف يختزل حدثًا يتجاوز شخص إبستين إلى بنية كاملة من النفوذ والسلطة والحصانة. هذه القضية ليست استثناءً في سجل الغرب السياسي والأخلاقي، بل لحظة كاشفة لعطب عميق في قلب النظام الليبرالي الذي يقدّم نفسه للعالم بوصفه النموذج الأعلى للحكم الرشيد، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان. إن خطورة الملف لا تكمن فقط في الجرائم الجنسية والاتجار بالبشر، بل في كشفه آليات ممنهجة سمحت لهذه الجرائم أن تستمر لعقود داخل دوائر النخبة، بلا مساءلة، وبلا عقاب، وبلا ضمير.
ما أظهرته وثائق إبستين، سواء تلك التي أُفرج عنها قضائيًا أو ما تسرّب عبر التحقيقات والشهادات والدعاوى المدنية، ليس انهيارًا مفاجئًا لمنظومة أخلاقية كانت سليمة، بل انكشافًا متأخرًا لواقع فاسد كان قائمًا منذ البداية. النخب السياسية والمالية والإعلامية والأكاديمية في الغرب لم تتحول فجأة إلى الفساد، بل بنت نمط عيش مغلقًا، تُدار حدوده بعناية، ويُفرض حوله صمت محكم، حتى أصبحت الانتهاكات معروفة داخل الدوائر الضيقة، لكنها محجوبة عن المجال العام. ما تغيّر ليس سلوك النخبة، بل قدرة الجمهور على الرؤية، وانكسار بعض آليات التعتيم التي طالما أدارت الوعي ومنعت تحوّل المعرفة إلى محاسبة.
تكشف القضية بوضوح طبيعة عالم القلة المترفة بوصفه عالمًا منفصلًا اجتماعيًا وأخلاقيًا عن عالم الأغلبية. هذا العالم لا يقوم فقط على الثروة والنفوذ، بل على إعادة تعريف القواعد نفسها. فالامتياز فيه ليس فرصة إضافية، بل حصانة فعلية، والاستثناء ليس خرقًا مؤقتًا، بل قاعدة مستقرة. داخل هذا الفضاء، لا تُعامل القوانين باعتبارها معايير عامة، بل أدوات تُستخدم ضد الآخرين، بينما تُعطَّل عند الاقتراب من دوائر النفوذ. لذلك لم تكن جرائم إبستين نتاج نزوات فردية أو سلوكيات سرية معزولة، بل نتيجة شبكة علاقات ممتدة، قائمة على تبادل المصالح، والحماية المتبادلة، والصمت المتواطئ.
السؤال المركزي الذي تفرضه القضية ليس كيف ارتُكبت هذه الجرائم، بل كيف استمرت كل هذا الزمن رغم تورط شخصيات عامة بارزة، من سياسيين ورجال أعمال ومثقفين وإعلاميين، يعيشون في قلب الضوء ويشاركون في صناعة القرار وتوجيه الرأي العام. استمرار هذا النمط لا يمكن تفسيره إلا بفشل مركّب.. فشل الضمير الفردي لدى من علموا وشاركوا أو صمتوا، وفشل الضمير المؤسسي لدى أنظمة يُفترض أنها صُممت لكشف الجرائم لا لاحتوائها. الصمت هنا ليس تقاعسًا عارضًا، بل آلية عضوية من آليات اشتغال الامتياز، حيث يتحول الصمت إلى شرط للانتماء، ويغدو الإفصاح تهديدًا وجوديًا للنادي المغلق.
تتداخل دوافع التورط في هذه الشبكات على مستويات متشابكة. فعلى المستوى النفسي، تُنتج العزلة الطبقية شعورًا متضخمًا بالاستثنائية، وإحساسًا راسخًا بالتحرر من المساءلة. ومع الوقت، لا يعود خرق المحظورات الأخلاقية مجرد انحراف، بل يتحول إلى علامة على التفوق، وإلى طقس يؤكد الانتماء إلى طبقة “فوق القانون”. وعلى المستوى الاجتماعي، يتجسد الامتياز في ثقافة تكافئ الصمت، وتدمّر من يهدد بكسر التوافق غير المعلن. أما على المستوى السياسي، فتبرز فرضيات توظيف العلاقات الخاصة والانتهاكات الجنسية أدواتٍ للابتزاز، حيث تتحول الحميمية القسرية إلى رأس مال سياسي. هذا المنطق ليس جديدًا في تاريخ الاستخبارات والصراع بين القوى، ولا يحتاج إلى نظريات مؤامرة لتفسيره، بل يكفي النظر إلى تاريخ استخدام “الفضائح” كسلاح سياسي.
في هذا السياقانتشرت ادعاءات عن أدوار استخباراتية محتملة، وعن استخدام ما يُعرف بـ“مصائد العسل” لتجميع معلومات حساسة عن صناع القرار، كما طُرحت روايات عن شبكات استغلال تتجاوز الدعارة إلى الاتجار المنظم بالبشر. إن كثافة تداول هذه الإدعاءات تكشف حقيقة أخطر.. فقدانًا واسعًا للثقة في المؤسسات الغربية، وإدراكًا عامًا بأن الخط الفاصل بين السلطة والجريمة المنظمة قد يكون أضعف بكثير مما يروّج له الخطاب الرسمي.
ولا يقل أسلوب إدارة المعلومات عن مضمونها دلالةً سياسية. فالإفراج المتدرج عن الوثائق، “بالقطارة”، لا يبدو عشوائيًا أو بريئًا، بل يوحي بأن المعلومة تُدار بوصفها أداة قوة. حين تُحفظ الملفات لسنوات ثم يُفرج عنها في لحظات سياسية محددة، فإنها تتحول إلى أوراق ضغط ورسائل متبادلة داخل صراعات النخبة نفسها. في هذه اللحظة، لا يعود القانون هو الحكم، بل ميزان القوة، ويغدو “الملف” بديلًا عن الحجة، والابتزاز شريكًا غير معلن في صناعة القرار.
تضع قضية إبستين النموذج الغربي المعلن أمام مساءلة أخلاقية وسياسية شاملة. كيف يمكن لنخب متورطة في هذا القدر من الانفلات أن تحتكر خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ وكيف تُبرَّر الحروب والعقوبات والتدخلات باسم القيم الكونية، بينما تُدار في الداخل منظومات حماية للإجرام النخبوي؟ وكيف فشلت مؤسسات الإعلام والقضاء والرقابة، التي يُفترض أنها ركائز “دولة القانون”، في تفكيك شبكة بهذا الاتساع طوال عقود؟ إن الفجوة بين الخطاب الليبرالي والممارسة الأوليغارشية لم تعد فجوة نظرية، بل حقيقة صارخة لا يمكن سترها بالشعارات. فالشفافية المعلنة تتهاوى أمام الإفراج الانتقائي عن المعلومات، وسيادة القانون تتبخر أمام حصانات غير مكتوبة.
قضية إبستين ليست نهاية القصة، بل مؤشرًا على ما قد يكون أوسع وأعمق. إنها عيّنة من واقع مستتر، قد يضم ملفات أخرى لم تُكشف بعد، ولم تصل بعد إلى لحظة الانفجار الإعلامي أو القضائي. وما نشهده اليوم ليس انتصارًا للعدالة، بل لحظة انكشاف جزئي، يتحول فيها الوعي المتأخر إلى طاقة سياسية وأخلاقية محتملة. التحدي الحقيقي لا يكمن في إدانة أفراد أو استهلاك الفضيحة إعلاميًا، بل في تفكيك البنى التي سمحت بهذا التواطؤ المديد، وبناء منظومات مساءلة عابرة للحدود، لا تخضع لهيمنة القوى الكبرى، ولا تُدار وفق مصالح واشنطن أو غيرها من العواصم التي تسترت على هذه الفضائح.
لقد أسقطت ملفات إبستين القناع عن نظام طالما قدّم نفسه بوصفه حارس الفضيلة العالمية، وكشفت أن “الحرية” التي يروّج لها قد تكون، في أحد وجوهها، حرية النخب في الإفلات من القانون والأخلاق معًا.
