الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالأرشيف الأسود.. حين يبتلع “الوكيل” الصهيوني سيده الأمريكي!.. بقلم نزار أحمد

الأرشيف الأسود.. حين يبتلع “الوكيل” الصهيوني سيده الأمريكي!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

تتجاوز قضية جيفري إبستين حدود الجريمة الأخلاقية المبتذلة لتستقر في قلب “الخطيئة السياسية” الكبرى التي تحكم كواليس القوى العظمى اليوم، فهي ليست مجرد فضيحة فردية أو شبكة انحرافات معزولة، بل نافذة كاشفة على بنية عميقة من تداخل الاستخبارات بالمال والنفوذ. في هذا السياق، لا يبدو إبستين سوى ترس دقيق في ماكينة استخباراتية معقدة، صُممت بعناية لتحويل النخبة العالمية من “شركاء مصالح” إلى “رهائن قرار”. نحن إزاء عملية “زراعة استخباراتية” نادرة، استثمرت الذكاء الرياضي، والقدرة الاستثنائية على الاختراق الاجتماعي، وبناء الثقة داخل الدوائر المغلقة، لتشييد أكبر أرشيف ابتزاز في التاريخ الحديث. هكذا تحولت جزيرة “ليتل سانت جيمس” من منتجع فاخر للمشاهير ورجال المال إلى مختبر سياسي وأمني لجمع “المستمسكات”، حيث تختلط السلطة بالرغبة، ويُصاغ القرار تحت وطأة الخوف من الفضيحة، بما يضمن انصياعاً طويل الأمد للقوى الدولية للمشروع الصهيوني.

إن القراءة العميقة لهذا الملف تكشف تحولاً بنيوياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فبعد عقود من القبول بدور “الوكيل الوظيفي” الذي يخدم المصالح الغربية في الشرق الأوسط مقابل الحماية والدعم غير المشروط، قررت تل أبيب كسر السقف التقليدي للعلاقة، والتمرد الهادئ على “بيت الطاعة” الأمريكي. لقد استوعبت مبكراً أن السيادة الحقيقية في عالم ما بعد الحرب الباردة لا تُمنح، بل تُنتزع عبر امتلاك مفاتيح “الصناديق السوداء” للنخبة الحاكمة.. أسرارها، نزواتها، تناقضاتها، ونقاط ضعفها. من هنا، تحولت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب من تحالف استراتيجي قائم على تبادل المصالح إلى حالة “ارتهان قسري”، حيث لم يعد الضغط محصوراً في جماعات اللوبي التقليدية، بل ارتقى إلى مستوى السيطرة الناعمة على القرار السيادي نفسه. في هذا الإطار، يرتعد ساسة البيت الأبيض وأعضاء الكونغرس من شبح الفضيحة الكامن في أرشيف غير مرئي، يُلوّح به “الوكيل” المتمرد كلما دعت الحاجة.

ويأتي توقيت النشر التدريجي لملايين الوثائق المسربة بوصفه أداة ضغط سياسي فجة، لكنها محسوبة بالمليمتر، تستهدف إعادة توجيه دفة الإدارة الأمريكية نحو خيارات قصوى في الإقليم. فالإفصاح المتدرج ليس بحثاً عن العدالة ولا استجابة لضمير أخلاقي متأخر، بل تكتيك ابتزازي يهدف إلى إبقاء الخصم في حالة ترقّب دائم، واستنزاف أعصابه السياسية. وضع دونالد ترامب تحت مجهر الابتزاز لا يُقرأ كاستهداف لشخصه فحسب، بل كرسالة تهديد صريحة للمؤسسة الأمريكية بأكملها، مفادها أن أي خروج عن رؤية بنيامين نتنياهو التصادمية سيُواجَه بكشف ما هو أخطر. الهدف النهائي هو جر الولايات المتحدة إلى حروب مباشرة مع أعداء إسرائيل الإقليميين، حتى لو أدى ذلك إلى استنزاف القوة الأمريكية، وتآكل هيبتها الدولية، وتعميق الانقسام الداخلي فيها. هنا لا يبتز الموساد رئيساً بعينه، بل يبتز الدولة العميقة بكل مؤسساتها، لإجبارها على خوض “حروب نيابة” تجعل من الجيش الأمريكي مجرد أداة تنفيذ لأجندة صهيونية لا تخدم سوى طموحات اليمين المتطرف في تل أبيب، وتعيد إنتاج الفوضى بوصفها شرطاً دائماً لبقاء التفوق الإسرائيلي.

لقد آن الأوان لساسة واشنطن، ولمراكز الفكر الأمريكية، وللنخب الأكاديمية التي ما زالت تؤمن بمعنى السيادة، أن تنظر بجدية استثنائية في ضرورة تفكيك بنية النفوذ التي تجاوزت دور “اللوبي” التقليدي لتتحول إلى ما يشبه “الاختراق السيادي” للأمن القومي الأمريكي. إن بقاء القرار الأمريكي رهينة لابتزاز الأرشيف الأسود، أياً كانت واجهته أو أدواته، يعني عملياً نهاية عصر الاستقلال الوطني، وتحويل القوة الأعظم في العالم إلى مجرد تابع ينفذ أوامر كيان لم يعد يرى في واشنطن سوى “صراف آلي” مفتوح، أو “فوهة بندقية” جاهزة للإطلاق عند الطلب. التحرر من هذا الارتهان لا يمر عبر خطابات أخلاقية جوفاء، بل يتطلب شجاعة سياسية لتفكيك شبكات النفوذ التي استُخدم فيها إبستين وأمثاله كأدوات، واستعادة كرامة القرار السياسي من يد “عصابة الابتزاز” العالمية التي تمسك بخيوط المال والإعلام والسياسة، وتعيد تعريف معنى التحالف على قاعدة السيطرة لا الشراكة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات