سودان تمورو
ج. و. استيفنز أحد المراسلين الحربين الذين رافقوا حملة الجيش الإنجليزي المصري. فقد انضم لها منذ بداية تكوينها عام 1897، وسار معها حتى نهايتها، وشهد المعارك المختلفة التي خاضتها بما في ذلك معركتي النخيلة وكرري، وقد أدلى بإفاداته وملاحظاته حول الشخصية السودانية التي احتك بها خلال المقاومة التي قادها جيش المهدية في مواجهة الجيش الغازي .وسجل إفادته في كتابه بعنوان With Kitchener to Khartoum تسنى لي شرف ترجمته إلى اللغة العربية وهو قيد إجراءات الطباعة.
سحر استيفنز بالشجاعة التي تمتع بها السودانيون أثناء المعارك وسجل صوراً حية منها. ورغم ولائه للجيش الغازي وإدراكه لدوره كمراسل حربي عسكري يتعين عليه أن يساهم في المعركة النفسية ضد عدوه، إلا أنه لم يستطع أن يخفي مظاهر الثبات الذي اظهره السودانيون في مواجهة الجيش الغازي. من أوضح الصور التي سجلها مشهد محمود ود أحمد بعد هزيمته في النخيلة، فقد قبض عليه بعض جنود الكتيبة السودانية العاشرة التابعة لجيش كتشنر ووجدوه جالساً على سجادته عندما اجتاحوا زريبته، وسلاحه إلى جانبه، على عادة زعماء الحرب المهزومين وينتظرون الموت. فجيء به عاري الرأس أمام كتشنر، . ووصف استيفنز تلك اللحظة بقوله: ( لم ينظر محمود يمنةً ولا يسرة، بل خطا نحو السردار رافع الرأس. فقال له السردار: «هل أنت الرجل محمود؟”
فأجاب: نعم، أنا محمود، وأنا مثلك.» يقصد أنه قائد عام.
قال السردار: “لماذا جئت لتشنّ الحرب هنا؟”
قال محمود: “جئت لأنني أُمرت، كما أمرت أنت أيضاً.” ثم أُخذ محمود للحراسة.) وعلق استيفنز على الأثر النفسي الذي خلفه ثبات محمود بأنّ الجميع قد أحبه أكثر لأنه واجه مصيره بتحدٍّ وبصرامة.
وسجل الرجل ثبات قوات محمود ود أحمد حتى بعد هزيمتها، فذكر استبسالهم في خنادقهم حتى في أكثر اللحظات شدة ، وأوضح أنهم لم يبرحوا أماكنهم حتى اندفع الأتراك البيض الشياطين، وأبناء عمومتهم السود، وهم يزأرون ويطلقون النار ويطعنون بالحراب فوقهم مباشرة. وظلّ كثيرون منهم متمسكين بمواقعهم ليموتوا، ولا رجاء لهم إلا أن يقتلوا واحداً قبل أن يُقتلوا. أمّا الذين انسحبوا، فقد انسحبوا ببطء، يلتفتون بإصرار لإطلاق النار. ولم يُرحم الجرحى، كالعادة، فلا بد من قتلهم لئلا يقتلوا غيرهم. ومثالاً على بطولتهم المتوحشة، فقد وقف غلام أسود صغير، ممتلئ البطن، لم يتجاوز العاشرة. بجوار جثة أبيه، وحينما اقترب المهاجمون تناول بندقية وأطلق النارـ فأخطأ الهدف، وكاد ارتداد تلك الآلة المريعة أن يقتله، ولكنه فعل ما في وسعه.
أما في كرري فقد أبدع الجيش الوطني في المقاومة، وقد سجل استيفنز صورة حية من المعركة فقال: (وماذا عن العدو؟ ما من قوات تصمد أمام ذلك السيل من الموت خمس دقائق، غير أن البقّارة والسود تقدّموا. وقد اجتاحهم السيل وطرحهم أرضاً سرايا كاملة. وترى صفّاً متماسكاً يجمع نفسه ويندفع، أمام شظايا قذيفة أو رشاش مكسيم، يرتجف فجأة ويتوقّف. ولا ينكسر الصف لكنه يسكن تماماً. غير أن صفوفاً أخرى تجمع نفسها مرة بعد مرة، ثم مرة ثالثة، وتسقط، ثم تندفع أخرى. وأحياناً يقتربون إلى حدّ ترى معه أفراداً بعينهم رؤية واضحة. شيخٌ يحمل راية بيضاء انطلق مع خمسة من رفاقه، فسقطوا جميعاً، لكنه وحده ظلّ يقفز إلى الأمام حتى بلغ مسافة مئتي ياردة من الكتيبة السودانية الرابعة عشرة. عندئذٍ طوى ذراعيه على وجهه، وارتخت أطرافه، وسقط منبسطاً على الأرض إلى جوار رايته.
كان ذلك آخر أيام المهدية، وأعظمها. فلم يستطيعوا الاقتراب أبداً، ومع ذلك أبَوا أن يتراجعوا. وبحلول تلك اللحظة، غدت الأرض أمامنا بيضاء كلّها بملابس الموتى. وبلغت حرارة البنادق حد الاحمرار، فأمسكها الجنود من أحزمتها وسحبوها إلى الخلف ليبدّلوها بأخرى باردة. فلم تكن معركة، بل إعداماً)
ويصف في لوحة أخرى صورة جيش المهدية في كرري فيقول (كان الدراويش في قمة الروعة التي تفوق الكمال. فهذا أكبر وأفضل وأشجع جيش قاتلنا باسم المهديّة، ومات بشرف يليق بالإمبراطورية العظيمة التي أسستها المهديّة وحافظت عليها طويلاً. فقد تشبث حملة البنادق، الذين مزقتهم كل أدوات الموت والعذاب التي اخترعها الإنسان، بالراية السوداء والخضراء، وأفرغوا خراطيشهم الفقيرة، المنزلية الصنع، بلا خوف. وهجمت رماحهم على الموت بلا أمل. وقاد فرسانهم كل هجوم، وركبوا في وجه الرصاص حتى لم يتبق سوى ثلاثة خيول تسرع إلى صفوفنا، رؤوسها منخفضة، وكأنها تقول: “لأجل الله، دعونا نخرج من هذا”. ولم يكن الأمر هجوماً واحداً أو اثنين أو عشرة، بل هجوماً تلو الآخر، مجموعة تلو الأخرى، دون توقف، على الرغم من أن كل ما رأوه من عدو لم يُهزم وجثث الرجال الذين اندفعوا قبلهم. نهض صف داكن واندفع إلى الأمام مهاجماً، لكنه انحنى، وانكسر، وتفكك، واختفى. وقبل أن يزول الدخان، نهض صف آخر وهاجم على نفس المسار)
ذكر استيفنز أفعال مروعة قام بها الجيش الغازي منها قتل الجرحى من الجيش المقاوم ، وبرر ذلك بأن كل جريح هو مقاتل لا يؤمن مهاجمته، فعلى سبيل المثال وصف سير الجيش الغازي إلى أم درمان بعد انتهاء المعركة: فذكر (فبعضهم استلقى بهدوء للغاية، واضعين نعالهم تحت رؤوسهم كوسادة أخيرة، وبعضهم ركع، وقد قُطعت صلاته الأخيرة في منتصفها. وآخرون تمزقوا إلى أشلاء، والدم الأحمر يابس على جلدهم البني، وقد قُتلوا على الفور بلا شك. والبعض الآخر، على ما بدا وكأنهم أموات مثل هؤلاء، نهض فجأة عند اقترابنا، وانقض بوحشية، يقذف الرماح على أقرب أعداء. وتم طعنهم بالحراب أو إطلاق النار عليهم.)
تعد إفادة استيفنز تعضيداً إضافياً للشهادة التي سجلها المراسل الحربي تشرشل والذي أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء بريطانيا في كتابه حرب النهر (لم يكن في قتلى الدراويش شيء من زينة الحرب أو كرامة الرجولة التي لا تُقهر… ومع ذلك، كانوا من أشجع الرجال الذين مشوا على الأرض. وقد ترسخ في ذهني أن حقهم فيما بعد الموت لا يقل عن حق أي واحد من أبناء بلدنا.)
